تمت أشياء تهم الملك العمومي في جنح الظلام، نظام أساسي للحديقة على المقاس، تنصيب للذات في منصب رئيس الحديقة، ومديرة ديوانه السابقة، مديرة تجارية للحديقة، منصب مفتاح لخزائن الحديقة…، رواتب خيالية سيتم استخلاصها من جيوب مواطن متعطش لقضاء يوم عطلة في حديقة كانت أقرب من أن تكون مِلْكا جماعيا وتراثا وطنيا موروثا، تحولت زمن المندوب إلى ضيعة إقطاعية يتمتع فيها بحق الإستغلال والتقرير المطلق كأن الحديقة أضحت مشروعا خاصا للمندوب وضمانة لما بعد التقاعد أو الإعفاء المنتظر :
فثمن الدخول مرتفع ويتم التّمْويه بتخفيضات تافهة للعائلة، والحال أن هذه التخفيضات لا تتعدى بضعة دراهم، يبقى المبلغ بعد التخفيض فوق الطاقة الاستهلاكية للمواطن متوسط الدخل وبالأحرى المواطن الفقير، مما يدل على أن: الحديقة الوطنية أصبحت مِلْكا خاصا، من أين استمد المندوب مشروعية تحويلها إلى شركة خاصة؟ ألا يستدعي التصرف في موروث وطني حوارا وطنيا، واستشارة ممثلي الشعب؟ ثم كيف يتم تمرير صفقة الأرض بدرهم رمزي لشركة عقارية كبرى، ويَقْفز سعر دخول المواطن الحديقة الجديدة إلى هذا المبلغ؟ ألا يدل ذلك على انتقائية مقصودة في ولوج المرفق العام؟
إن أبشع أنواع التمييز والإقصاء تتم من خلال استغلال مَرفق من المفروض أن يكون مجانيا باعتباره مِلكا في الأصل للدولة ويختزن ذاكرة ثقافية بيئية، الأحرى تقريبها من المواطن والناشئة لتحقيق تربية بيئية، وتربية على المواطنة الحقة، المندوب الآن بخوصصة الحديقة يكرس ثقافة النخبوية والتمييز السلبي على أساس المعيار المالي (القدرة الشرائية ) مما يتنافي وقيم المساواة ودَمَقرطة الاستفادة من الحديقة الوطنية الوحيدة.
إن سياسة المندوب في الحديقة تستهدف خلق انتقائية اجتماعية، تَصُبُّ في اتجاه إفراغ الحديقة من زوارها من الفئة الوسطى والفقيرة، كما أفرغ الغابات من حراسها فهو بارع في سياسة الإفراغ، ومن الأفيد أن يجد طريقة لإفراغ دور الصفيح.
إن رفع ثمن الدخول إلى ما فوق طاقة المواطن المتوسط و الفقير، يُبَرَّرُ بإرادة المندوب لِضَخِّ المزيد من المبالغ المالية في خزائن الحديقة،لاستخلاص الرواتب الخيالية، ولتتلقفها في نهاية المطاف المديرة التجارية ومنافذهما كثيرة للتلاعب في الميزانية ، خاصة وإن الموارد متوافرة؛ أثمنة الدخول المرتفعة، رخص كراء أراضي الحديقة إلى مستثمرين من اختيار المندوب، تمويلات المتعهدين التجاريين من اللوحات الإشهارية … وإمكانات تبرير النفقات كثيرة خاصة وأن التدبير هنا يتعلق بكائنات لا تُفهم أصواتُها ولا وَعْي لها بالإحتجاج على سوء التغذية، أو تدني مستوى التأطير البيطري…”نُشْفِقُ من جَشَعِ مُسَيّريها على الحيوان” كما ذكرنا في أُنشودة الهوان، و رَفض المندوب أي وصاية أو رقابة من الدولة، على الحديقة يؤكد الإستنزاف المالي الذي تتعرض له.
والجدير بالذكرأن الرواتب الخيالية للرئيس ومديرته التجارية متبوعة بامتيازات موروثة: التعويضات عن التنقل، السيارات رباعية الدفع….
تلك المديرة التجارية التي تَجَشّمَ المندوب عناء تكوينها لتليق مؤهلاتها بالمنصب، الكل يعلم جيدا مؤهلها الأصل الذي ولجت به الديوان، تم تقاطر عليها سيل من الأساتذة إلى مكتبها لتكوينها، بالإضافة إلى التكوينات الفاخرة من خمس نجوم….الأكيد أن هذه الشخصية الفَذَّة، مؤهلة لفعل ما لا يُتْقِنُه سِواها….
وبالمقابل يتم تشغيل صغار موظفي الحديقة كعبيد في حديقة المندوب، معرضين لأكبر المخاطر وسط الحيوانات، مقابل أجور زهيدة لا تتناسب ومخاطر المهنة (الإفتراس ،الروائح ، التسمم والأمراض… )
مقابل تَرَبُّع الرئيس ومديرته التجارية على أفخم المكاتب، التي كلفت الميزانية أكثر مما كلفتها تهيئة خنادق وجحور الحيوانات بعيدين عن كل مصادر الخطر، يتسلطون بأوامرهم وتهديدهم بالطرد لصغار الموظفين الذي يشقون بالحديقة، أتحدى المندوب ومديرته التجارية المتمتعون بأعلى الرواتب أن يقوموا بدخول قفص مع أسد للحظة واحدة، كما يفعل العاملون ذوي الأجور الزهيدة طيلة يومهم مع الحيوانات المفترسة والسامة.
بناء عليه نهيب من يهمه الأمر بما يلي:
إعادة النظر في القانون الأساسي للحديقة، وإلغاء التنصيبات والرواتب الخيالية التي تم تمريرها في جنح الظلام، وإعادة صفة الحديقة الوطنية المعهودة (تأميم الحديقة ) ونزعها من ممتلكات السيد المندوب كي تستقبل المواطن بدرهم رمزي، لإحياء دورها كذاكرة رمزية ثقافية مشتركة لجميع فئات المجتمع على قدم المساواة، وفرض وصاية الدولة على الحديقة لتكون محط افتحاصات مالية، وتفعيل دور القضاء، لضمان الحق العام.
فتح باب الترشيح لاجتياز مباريات ولوج مناصب المسؤولية في الحديقة بشكل ديمقراطي وشفاف لضمان حق تكافؤ الفرص، وتنحية التعيينات الذاتية التي وزعت في جنح الظلام.
إعادة النظر في حجم الرواتب وتوزيعها بالحديقة بناء على مبدأ” كل حسب عمله وحسب الأخطار التي يتعرض لها”. راجين من الله أن يقطع دابر الذين يَسْتَأْسِدون في الحديقة؛ المندوب ومديرته التجارية، يَعْتَوْن في الأرض والبلاد فسادا ونهبا أينما حَلّوا وارتَحَلوا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإنّا لهم بالمرصاد.
الحسن اليوسي
www.maarifpress.com