صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

منطق الشعب …ومنطق الدستور

غيرت الثورة العربية الحالية الكثير في العديد من النواحي ومنها الناحية القانونية والدستورية ،اذ لم يعد التحليل القانوني للدستور يقبل النسق الذي لا يستمد بناءه من الشعب لأن اللحظة القانونية نزعت كل شرعية على هياكل وأجهزة طالما ادعت أنها تمتلك التمثيلية للشعب ، وهذا الأخير خرج للشوارع واعتصم وقال كلمته بكل وضوح بأنه يريد ، ولما يريد هذا الشعب فإن إرادته لا تكسر، لذلك فالساحة القانونية المغربية التي افرزتها ثورة الربيع العربي تميزت بصعود أصوات تنادي بدسترة العديد من الأمور الحقوقية والإثنية واللغوية ، بل حتى توصيات هيئات كهيئة ألإنصاف والمصالحة سيتم دسترتها ، والحال أن الدستور ككل القواعد القانونية يتطلب لقيامه ضرورة توفر الركن المادي والمعنوي .

الأول يتبلور من خلال تواجد قوة مادية ملزمة لتنفيذ مجموعة من القواعد القانونية التي يتشكل منها ذلك الدستور ، والثاني هو اقتناع المجتمع الذي يقبل بتلك البنية القانونية أي وجود شرط الإيجاب والقبول كما هو الشأن في كل العقود، عقود الرضى وليس عقود الإذعان ، قبول في أغلبيته على الأقل،وشعوره بإلزامية قواعده وهو يمارس حياته اليومية .غير أن الملاحظ أن القانون سواء كان دستورا أو مجرد قانون تنظيمي فانه لن تكون له القوة الإلزامية اذا فقد ركنا من أركانه، والواضح ان قيام القانون سواء ما يسمى بالقانون الأساسي أي الدستور أو القانون فقط ، أي المقصود القانون التنظيمي فإنه لن تقوم له قائمة إلا بوجود القوة الإلزامية المادية والمعنوية.وهذه القوة الإلزامية هي التي تمثلها الدولة عبر مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية ، تلك القوة المتفرعة الى ثلاث سلط هي التي تفعل النص الدستوري وتحرك محتوياته عبر قرارات سياسية واقتصادية واجتماعية وعبر أحكام قضائية ، وهذا ما يستلزم تواجد تناغم سياسي بين المكونات الثلاث للسلطة بحيث لا تحدث تجاوزات او تسلط سلطة على سلطة أو كما قال مونتسكيو في روح القوانين ، ” السلطة يجب أن تحد السلطة “، لذا من الصائب في نظري العمل على تقوية القوة الإلزامية لتطبيق القانون،بحيث تكون الدولة فوق الأشخاص لاتحابي أحدا ونصير بذلك دولة القانون لا دولة الأشخاص والعائلات ،اذن تبقى المسألة الأساسية في كل هذا هو ايجاد بنية سياسية متشبعة بالقيم الدموقراطية،بحيث يمكن لأي مواطن مغربي أن يقرر بصوته وبمشاركته الفعلية في رسم سياسة بلاده الداخلية والخارجية وان تقوم الدولة بكل أجهزتها للوقوف بجنبه اذا ما أهين في بلد عنصري وتجعل من قضيته قضية دولة ، هنالك يمكن القول ان المغرب بلد المؤسسات الدستورية لأن المواطن له حماية قانونية واقتصادية واجتماعية أي لا يمكن في اية حالة القيام بعمل يمس كرامته وشخصه الا والقانون يحميه ويوفرله جميع المسالك لأخذ حقه وذلك بصفة مباشرة دون انتظار هذا أوذاك. وإذن أرى أننا نبالغ في التفاصيل إذا ما دسترنا كل الحقوق الفردية والجماعية وكذا الواجبات ، لأن الدساتير عادة ما تنص في ديباجاتها الى المبادئ الأساسية التي أصبحت من المكتسبات الحقوقية للإنسانية جمعاء، كالحق في التعليم والصحة والحق في الحرية الى غير ذلك من الحقوق. إذن وفي جميع الأحوال أجد أننا نبالغ في دسترة وضعيات حقوقية وممارسات إنسانية حضارية، تستدعي التأكيد عليها من خلال مناهج تعليمية وتربوية ومن خلال منابرإعلامية،لأن في آخر المطاف سواء تم دسترة تلك المفاهيم وتلك القيم أو حتى تلك التوصيات فإن الإنسان المغربي هو الفاعل والمفعول في كل هذا، وأن وثيقة الدستور مهما كانت متراصة البنيان القانوني ، فان ذلك الإنسان المغربي هو الذي يطبقها وتطبق عليه.ولن أضيف شيئا إذا قلت أن وثيقة الدستور لست مطلبا في حد ذاتها لأن المطلوب هو المعاملة، معاملة الحاكم للمحكوم وفق منطوق الدستور وروحه.

أيوجد في بريطانيا دستور مكتوب منذ سنة 1215 تاريخ تحريرالعهد العظيم ؟ لكن رغم ذلك ها هي المملكة المتحدة البريطانية تعد من بين أمهات الدول الدموقراطية، إذن المسألة مسألة نظام سياسي وتعاقد شعبي على أسسه يتم فيها توزيع السلط والثروات بحيث لا يطغى فريق على آخر ضمن النسيج الإجتماعي الواحد للشعب ،لذا يمكن اعتبار الدستور ك “خريطة طريق”أو “سبورة السير ” للوصول للهدف المنشود، ولكنها تتطلب ايجاد فريق حريص ومسؤول للسير نحو ذلك الهدف بكل ثقة الشعب،ويبقى الدستور هو أسمى القوانين، لكن الشعب وإرادته هي التي تصنع الدساتير.وأعتقد أن النص الدستوري كلما كان مختصرا ومختزلا كلما فتح الباب للتأويل والنقاش القانوني والسياسي الإيجابي والمثمر واحتمل الكثير من المعاني وفي هذا فائدة للشعب خاصة.

ومهما بالغ البعض في القيمة القانونية للنص الدستوري فهو يبقى مجرد وثيقة يخطها الشعب وفق ارادته التي تقرر مصيره ليس للأبد بل ان التحولات والتغيرات تتطلب من الشعب مواقف أخرى ، كانت بالأمس غير متجلية او غير ذات موضوع ، ويبقى النص الدستور ليس كما يحاول البعض تصويره بأنه قريب الى القدسية ولا يجب مخالفته على الإطلاق ، والحقيقة هي أن الذي لا يجب معارضته ومخالفته هي إرادة الشعب لأنها مصدر كل القوانين ومحرك تفعيلها وتنفيذها كما انها مصدر إبطالها وإلغائها.وفي الواقع الدستور هو مجموعة من القواعد القانونية التي يتم التوافق عليها بين الشعب والنظام السياسي المراد إنشاؤه.لذا يجب الإقرار بمنطق الشعب وليس منطق الدستور الذي يتحتم عليه مسايرة منطق الجهة التي كانت مصدر وجوده والتي ستكون مصدر استمراره أو تعديله أو زواله بالمرة واستبداله بالآخر ، والكل يعلم أن الدساتير هي مجموهة قواعد قانونية تسعى الى حماية النظام السياسي الذي وضع تلك الدساتير ، لذا نجد ان فقهاء القانون الدستوري الموالين للأنظمة السياسية القائمة يتشددون في اعتبار الدستور القانون الأسمى للبلاد لدرجة القدسية ، في حين لا يخلو الدستور من كونه وثيقة قانونية يستمد قوته الإلزامية من واضعيه ، لذا يجب اعتبار منطق الشعب قبل منطق الدستور في جميع الحالات حتى لا ندخل في صراعات لا تحمد عقباها . لأن منطق الشعب منطق لا يستقيم الا مع الحق والعدل والدموقراطية أما منطق الدستور فلا ، فالتاريخ السياسي للأنظمة يحتفظ في ذاكرته بالعديد من النسخ الدستورية التي كان فقهاء القانون الدستوري يعتبرونها كالحصن الحصين أوعبارة عن أسوار عالية تشبه سور الصين لحماية الأنظمة السياسية الدكتاتورية، فتهاوت كأوراق التوت في أول هبة ريح التغيير الشعبية ،لأن منطق الشعب كالحق يعلو ولا يعلى عليه . لذا لابد من إسناد الدستور على الدعم الشعبي.

الحسين أربيب

كاتب وباحث

معاريف بريس

www.maarifpress

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads