معاريف بريس – أخبار وطنية
ما يجري في مدريد هذه الأيام لا يُقرأ في سياقه القانوني فحسب، بل في سياقه الاستراتيجي العميق. مشروع قانون منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين تحت الإدارة الإسبانية، الذي صادقت عليه لجنة العدل الإسبانية في 23 يوليوز 2026، ليس كما يُصوَّر على أنه “تصحيح لوضع تاريخي”. إنه، في جوهره، محاولة لإعادة رسم الخريطة البشرية للصحراء، وضربُ هويةٍ وطنية راسخة بآلة تشريعية باردة.
يقول الملك محمد السادس، كلمته الفاصلة التي لا تحتمل التأويل: “إما أن تكونوا مغاربة أو لا تكونوا”. في هذه العبارة الموجزة تتلخص حقيقة لا مفر منها: الانتماء إلى المغرب ليس خيارا عابرا، بل مصيرٌ جغرافي وتاريخي وإنساني. والصحراويون، في الأقاليم الجنوبية، ليسوا ضيوفا على وطنهم، بل هم أهله وأصله، ينتخبون، يعملون، يبنون، ويديرون شؤونهم في إطار وحدتهم الوطنية.
فماذا يعني إذن أن تمد إسبانيا يدها إلى جزء من هذا النسيج الوطني، وتقدم لهم جنسية ثانية، بلا إقامة، وبلا شروط، وكأنها تعيد إحياء إرث استعماري انتهى قبل نصف قرن؟
وهم الأمان في زمن التحولات
لنكن واقعيين: الجنسية الإسبانية التي يُروَّج لها اليوم، في سياقها الراهن، ليست ذلك الممر الذهبي إلى مستقبل آمن. إسبانيا اليوم، مثل كثير من دول الاتحاد الأوروبي، تعيش أزمات اقتصادية وهوياتية عميقة. خطاب اليمين المتطرف في أوروبا ينمو، والسياسات الهوياتية تتشدد. فهل يعقل أن تبقى هذه الجنسية “مضمونة” لعقود قادمة؟
ثم هناك السؤال القانوني الأكثر إلحاحا: كيف ستتعامل إسبانيا مع ازدواجية الجنسية؟ القانون الإسباني لا يمنعها مطلقا، لكنه يضع قواعد صارمة، ويستثني دولا معينة من شرط التخلي عن الجنسية السابقة. والمغرب ليس ضمن هذه الدول المستثناة. المفارقة مذهلة: إسبانيا تفتح بابا خاصا لفئة من المواطنين المغاربة، بينما تفرض على من يريد جنسيتها عبر الطرق العادية شروطا دقيقة من إقامة ولغة واندماج. هذا ليس تكريما، هذا استثناء محفوف بالمخاطر القانونية.
والأعمق من ذلك: القانون لا يتوقف عند جيل ولد تحت الإدارة الإسبانية. بل يمتد ليشمل الأبناء من الدرجة الأولى، الذين يمكنهم بدورهم اختيار الجنسية الإسبانية خلال خمس سنوات. الأرقام تتحدث: من 70 ألفا إلى 200 ألف مستفيد محتمل. هذا ليس تصحيحاً لوضع فردي، هذا مشروع تحويل ديموغرافي يطال مستقبل أجيال.
لماذا تصر إسبانيا؟
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تصر مدريد على هذا المشروع رغم إدراكها المسبق لحساسيته القصوى بالنسبة للرباط؟
تدرك إسبانيا أن المغرب ليس اليوم ذلك الشريك الضعيف الذي كان عليه قبل عقدين. الرباط اليوم تمتلك تحالفات استراتيجية من الدرجة الأولى:
* واشنطن: اعترفت رسميا بسيادة المغرب الكاملة على صحرائه منذ دجنبر 2020، في تحول جيوسياسي غير مسبوق.
* باريس: تحول موقفها تدريجيا نحو دعم واضح لمغربية الصحراء.
* لندن: شراكات اقتصادية واستراتيجية متنامية.
* بكين: مصالح اقتصادية كبرى تربط المغرب بالعملاق الصيني.
في هذا السياق، تبدو خطوة إسبانيا وكأنها مناورة يائسة من طرف يدرك أنه يفقد أوراقه في لعبة كبرى. مدريد تحاول، عبر هذا القانون، أن تحتفظ لنفسها ببطاقة تأثير في نزاع الصحراء، وكأنها تقول: “ربما اعترفتم بمغربية الصحراء، لكنني سأمنح جنسيتي لأهلها، وسأخلق موالين وآذان لي هناك يخدمون مصالحي”.
وهنا تكشف إسبانيا عن ضعف موقعها: فهي تدرك أن مستقبل الصحراء يُحسم في واشنطن وباريس، لا في مدريد. فلماذا إذن تراهن على جنسية قد تصبح، بعد سنوات، مجرد ورقة لا قيمة لها في مواجهة إرادة دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، أو تحالفات كبرى واستراتيجية نسحتها وتنسجها الرباط؟
ثمن المغامرة..
الدرس الأهم الذي يجب أن تستوعبه مدريد هو أن المغرب لا يتفاوض على هويته. التاريخ الحديث شهد كيف أن المغرب، عندما يشعر أن سيادته مستهدفة، لا يتردد في استخدام كل أوراقه، وليس أقلها ورقة الهجرة.
في مايو 2021، بعد استقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو إبراهيم غالي في مستشفى إسباني، فتح المغرب حدوده في سبتة، ودخل آلاف المهاجرين في مشهد هز أوروبا. واليوم، يتكرر السيناريو: ففي غشت 2026، وعلى خلفية قانون الجنسية، شهد معبر سبتة موجة نزوح غير مسبوقة، راح ضحيتها عشرات القتلى. تقول صحيفة “Público” الإسبانية إن “القراءة السياسية هي أن المغرب غاضب لأن إسبانيا تقرر بشأن سكان تعتبرهم مغاربة. وتصف الصحيفة القانون بأنه “تآكل للسيادة” بالنسبة للمغرب.
هذه ليست أزمة عابرة. إنها نمط متكرر: كلما تجاوزت إسبانيا خطا أحمر، يذكرها المغرب بأنه الشريك الذي لا يمكن استفزازه دون ثمن. والثمن هذه المرة قد يكون أعلى، لأن القانون ليس حدثا عابرا، بل تشريع دائم يطال هوية عشرات الآلاف.
بين رهان خاسر ويقين وطني
وهنا يأتي السؤال الأهم، الموجَّه مباشرة إلى كل صحراوي وصحراوية: هل أنتم مستعدون لرهن مستقبلكم بجنسية قد تسحبها أوروبا غدا، في زمن تصاعد التيارات القومية؟
هل أنتم مستعدون لأن تكونوا “مواطنين إسبان” في بلد يبعد عنكم آلاف الكيلومترات، بينما وطنكم الحقيقي، المغرب، يمدّ لكم يده كل يوم ببنية تحتية، وتنمية، وتمثيل سياسي، وكرامة؟
لنكن صريحين: مشروع الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب هو الحل الوحيد المطروح على طاولة الأمم المتحدة الذي يحظى بزخم دولي متزايد. إسبانيا نفسها تعلم ذلك. فلماذا تمنحكم جنسي دة بينما تعلم أن مستقبلكم السياسي سيتحدد في إطار مغربي؟
الجواب أن هذه الجنسية ليست هدية، بل ورقة ضغط في لعبة إسبانية ضيقة الأفق. وما يريده المغرب لكم، أيها الصحراويون، هو ما يريده لكل مواطنيه: حياة كريمة في وطن موحد، لا جنسية مؤقتة في دولة تتخبط في أزماتها.
في النهاية، يبقى المغرب، بما يملكه من ثقل جيوسياسي وتحالفات استراتيجية مع واشنطن وباريس ولندن وبيكين…، أقوى من أن تهزه مغامرة تشريعية مدريدية. إسبانيا قد تمرر قانونها في البرلمان، وقد تمنح جنسيتها لآلاف الصحراويين، لكنها لن تغير حقيقة واحدة: الصحراء مغربية، والصحراويون مغاربة، وهذه الحقيقة أقوى من أي تشريع، وأعمق من أي جواز سفر.
“إما أن تكونوا مغاربة أو لا تكونوا”، كلمة ملك لا تترك مجالاً للشك. فمن اختار المغرب، اختار المستقبل. ومن راهن على غير المغرب، راهن على السراب.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com
