معاريف بريس – أخبار وطنية
تخيلوا سوقاً لا تباع فيه الخضر ولا المواشي، وإنما تُوزع فيه تذاكر العبور إلى قبة البرلمان.
الداخلات نساء اتحاديات يحملن سنوات من النضال، المسؤوليات، الاجتماعات، الحملات، الدفاع عن تاريخ جزب وطني كبير… وعند الباب يقف مول “الصناك”.
اسمه: إدريس لشكر.
تدخل المناضلة:
– السلام عليكم، بغيت نقدم الترشيح ديالي.
– مرحبا آ الأخت، شحال عندك فالحزب؟
– عشرين عام.
– المسؤوليات؟
– موجودة.
– الكفاءة والحضور؟
– موجودين.
يهز «الصناك» رأسه بإعجاب، يقلب الأوراق، يتفحص المسار، ثم يصل إلى الخانة التي قلبت “سوق الوردة” رأساً على عقب:
– مزيان هادشي كامل… وبشحال تقدري تساهمي؟
عند هذا السؤال يصبح النضال بحاجة إلى آلة حاسبة.
مريم جمال الإدريسي قالت إن لجنة البت في الترشيحات طلبت منها كتابة قيمة مساهمتها المالية في ورقة مستقلة، وهو ما رفضته، محذرة من أن يُفهم الأمر وكأن حظوظ المرشحة ترتبط بحجم المبلغ الذي تستطيع تقديمه. كما نقلت تداول أرقام بين 140 و160 مليون سنتيم، مع تأكيدها أنها ما عاينت شخصياً وثائق تثبت تلك المبالغ.
نعود إلى السوق.
تدخل اتحادية ثانية:
– عندي مسار نضالي طويل.
– الله يعطيك الصحة… وشحال فالمساهمة؟
تدخل ثالثة:
– عندي كفاءة وتجربة سياسية وحضور ميداني.
– تبارك الله… كتبي لينا مبلغ المساهمة فالورقة.
وفجأة، صار بجانب السيرة الذاتية ملحق مالي.
المسار في ورقة.
الكفاءة في ورقة.
التجربة في ورقة.
ثم تأتي ورقة يبدو أنها صارت تحتاج اهتماماً خاصاً:
ورقة المساهمة.
ويبدأ الصداع داخل «سوق الوردة».
مريم جمال الإدريسي تستقيل.
خدوج السلاسي تنتقد اعتماد القدرة المالية في المفاضلة بين المرشحات.
رجاء البقالي الطاهري تغادر وسط اعتراضات مرتبطة بتدبير الترشيحات.
ليلى بوهو تطعن في المسطرة وتثير قضية تسريب قيم مالية مقترحة.
منال التقال تراسل إدريس لشكر وتطلب توضيح موقع المساهمات المالية داخل عملية الاختيار.
وفي وسط هذا الزحام يوجد اسم يتكرر بإصرار:
المال.
والطريف أن اسم الحزب هو:
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
اشتراكي.
قوات شعبية.
عدالة اجتماعية.
تكافؤ فرص.
مناصفة.
ثم تجد بعض نسائه أنفسهن أمام معادلة جديدة: هل الرصيد النضالي هو الذي يفتح باب البرلمان، أم أن الرصيد البنكي يستطيع هو الآخر أن يمد يده نحو المقبض؟
لقد صارت “الوردة” التي يفترض أن تُسقى بالنضال تحتاج اليوم إلى من يشرح للاتحاديات إن كانت فاتورة السقي تُدفع بالنضال أم بالمساهمة المالية.
وهكذا تتحول سنوات من العمل السياسي إلى مقدمة طويلة قبل الوصول إلى الآلة الحاسبة.
والصناك الحقيقي في السوق يكون، للمناسبة، أوضح كثيراً.
عنده تعريفة.
عنده دفتر.
عنده وصل.
يعرف هذا البائع كم يؤدي، وهذا كم أخذ من المساحة.
أما “صناك سوق البرلمان” فصار مطالباً بإخراج دفتره أمام الاتحاديات:
هذا وزن الكفاءة.
هذا وزن النضال.
هذا وزن التجربة.
هذا وزن الحضور.
هذا وزن الإشعاع.
ثم نصل إلى الخانة التي فجرت كل هذا الضجيج:
ما وزن المال؟
إذا كانت المساهمة تطوعية، فليُشرح ذلك.
إذا كانت منفصلة عن قرار التزكية، فلتُكشف المعايير التي تثبت ذلك.
أما إذا أصبح الرقم المكتوب فوق الورقة مؤثراً في ترتيب المرشحات، فنحن أمام شيء آخر تماماً: مناضلات يتنافسن على الكفاءة، ثم تكتشف إحداهن أن السباق يحتوي مسافة إضافية اسمها القدرة على الأداء.
والأغرب أن هذا كله يجري داخل الكوطا النسائية.
آلية أُحدثت أصلاً لتسهيل وصول النساء إلى مواقع القرار.
أي أننا صنعنا سلماً لمساعدة النساء على الصعود، ثم وضعنا في منتصفه شباكاً صغيراً.
فوقه لافتة:
الأداء قبل متابعة الصعود.
تقترب المناضلة:
– عفاك، أنا عندي عشرين عام ديال النضال.
– مرحبا آ الأخت.
– وعندي الكفاءة.
– زوين.
– وعندي الحضور.
– تبارك الله.
– نكمل نطلع؟
– أكيد… غير خلصي هو الأول.
وهنا يصبح الفرق بين مناضلتين غريباً جداً.
الأولى تملك عشرين سنة من العمل السياسي.
الثانية تملك قدرة مالية أعلى.
فتبقى قيادة الحزب مطالبة بتوضيح أي رصيد يزن أثقل عند باب البرلمان:
الرصيد السياسي أم الرصيد البنكي؟
منال التقال، من داخل المكتب السياسي، حذرت من الرسالة التي قد تصل إلى قواعد الحزب إذا أصبح المال يملك وزناً يفوق سنوات العمل والتضحيات والكفاءة، وطالبت بتوضيح معايير الاختيار وموقع المساهمات المالية.
والانتخابات تقترب.
اللوائح تُغلق.
المقاعد تنتظر أصحابها.
والصناك ما يزال عند الباب.
في يد تاريخ الاتحاد الاشتراكي.
وفي اليد الثانية دفتر تزكيات صار المال أحد عناوين أزمته.
إدريس لشكر يستطيع إنهاء الأمر بسهولة: يكشف المعايير، يشرح طبيعة المساهمات، يبيّن وزن كل عنصر، ويضع أمام الاتحاديات ما يثبت أن المال ما حسم المرور نحو البرلمان.
أما إذا بقي الدفتر مغلقاً، فسيظل «الصناك» واقفاً عند باب «سوق البرلمان».
تدخل المناضلة حاملة عشرين سنة من العمل السياسي.
تضع سيرتها فوق الطاولة.
تستعرض كفاءتها.
تتحدث عن مشروعها.
تنتهي من كل شيء.
فيقلب «الصناك» الصفحة الأخيرة، يرفع رأسه، ثم يقول:
– كلشي مزيان آ الأخت… بقى لينا غير واحد الحاجة: الأداء كاش ولا تحويل بنكي؟
وعندها قد تكتشف «الوردة» أن أزمتها لم تأتي من قلة السقي…
وإنما من ارتفاع فاتورة السقي.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com