معاريف بريس- آراء ومواقف
يقدم التباين بين احتجاجات دول عربية، وما جرى بها في احداث الربيع العربي، و بين الواقع السياسي المغربي الذي يبقى مدخلاً تحليلياً لمعاينة المشهد الراهن، حيث يرتكز النموذج المغربي على “الاحتواء المرن” وإدارة الأزمات عبر إصلاحات موجهة، بخلاف الأنظمة الشمولية المغلقة التي تواجه عادة الانكسار الكلي أو المواجهة الصفرية.
غير أن الموجة الجماعية والتدفقات البشرية للهجرة غير النظامية نحو سبتة ومليلية في يوليوز 2026 كشفت الحدود الهيكلية لهذا النموذج؛ إذ تحول الغضب والشعور بانسداد الأفق من “احتجاج سياسي مباشر في الشارع” إلى “رفض واحتجاج بالهروب”.
يرتبط هذا الانزياح بظاهرة تحول سقف الاحتجاج لدى الفئات الشابة من الرهان على التغيير السياسي والانتخابي إلى خيار “الخروج من الدولة” عبر النزوح الجماعي والعبور القسري للحدود، وذلك إثر تراجع الأدوار التأطيرية والقوة الاقتراحية للأحزاب والوسائط السياسية التي فقد الشباب الثقة في قدرتها على التغيير من الداخل. وقد تعمق هذا العزوف بفعل تزايد مظاهر الفساد السياسي والمالي وتلاحق المتابعات القضائية في حق عدد من البرلمانيين والمسؤولين التنفيذيين، مما كرس لدى المجتمع انطباعاً بأن المؤسسات المنتخبة أضحت وسيلة لتحصين المصالح الضيقة والشبه احتكارية بدلاً من تقديم حلول جذرية لمعضلات البطالة وتدهور الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم.
من جانب آخر، أبرزت هذه التطورات فجوة حادة بين الأرقام والخطابات التنموية الرسمية التي تسوق للمشاريع الاستراتيجية الكبرى، وبين الواقع الميداني لشريحة واسعة من الشباب والقاصرين القابعين في وضعية الهشاشة والتهميش الخارجي عن التعليم والعمل والتدريب، مما جعل دعوات العبور الرقمية تجد أرضية خصبة ومستعدة للمخاطرة.
وإذا كانت قوة الملكية المغربية وشرعيتها التاريخية والدينية تجسدان ضامناً للاستقرار وامتصاص الصدمات السياسية وحماية البلاد من سيناريوهات الانهيار الهيكلي، فإن هذا الاستقرار المؤسساتي يواجه اليوم تحدي “الشرعية التنموية”، حيث تحول الأزمة من مواجهة مع السلطة إلى “نزيف ديمغرافي وطني” يفقد البلاد طاقتها الشابة.
إن الأحداث الأخيرة لا تعبر عن رغبة مجتمعية في إعادة إنتاج سيناريوهات إسقاط الأنظمة كما وردت في الأدبيات الشمولية، بقدر ما تؤشر على استقالة جماعية واحتجاج بالقطيعة نتيجة تراجع أداء المؤسسات الحكومية والبرلمانية. وتستوجب هذه التحولات معالجة عميقة لملفات الحوكمة والعدالة الاجتماعية، باعتبارهما الركيزة الأساسية لاستدامة الاستقرار الوطني وتحويل المرونة السياسية إلى تنمية ملموسة تعيد بناء الثقة لدى الأجيال الصاعدة.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com