معاريف بريس – أخبار وطنية
تطرح المشاركة السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة سؤالاً مؤرقاً حول مدى جدية الخطابات الحزبية والمؤسساتية المتعلقة بالمواطنة الكاملة والعدالة الاجتماعية.
ففي الوقت الذي تكفل فيه الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية حق الترشح والانتخاب لجميع المواطنين دون تمييز، يكشف الواقع السياسي عن تهميش شبه تام لهذه الفئة داخل اللوائح الانتخابية وفي مراكز القرار.
إن هذا الاستبعاد المتواصل لا يعود إلى مانع قانوني أو عجز ذاتي لدى هذه الفئة، بقدر ما يرجع إلى عوائق هيكلية وثقافية تجعل الأحزاب السياسية غير آبهة بتقديم كفاءات من ذوي الإعاقة للتدبير العمومي والعمل البرلماني.
تتعامل أغلب الأحزاب السياسية مع الاستحقاقات الانتخابية بمنطق نفعي صرف، يرتكز على حصد المقاعد واستقطاب الأصوات عبر الرهان على الأعيان وأصحاب النفوذ المالي والعائلي المقربين من شبكات المصالح التقليدية.
وفي ظل هذا المنطق التجاري للسياسة، تُنسى الأبعاد المجتمعية والحقوقية، ويُدفع بالأشخاص في وضعية إعاقة إلى الهامش بسبب افتقارهم الشائع – جراء التهميش التاريخي – لرؤوس الأموال السياسية والمالية التي تشترطها بورصة الترشيحات.
كما تسهم النظرة النمطية والمجتمعية في تكريس هذا الوضع، إذ ما زالت الثقافة السياسية السائدة تنظر إلى الشخص في وضعية إعاقة من منظور إحساني ورعائي باعتباره مستفيداً من الخدمة الاجتماعية، لا بصفته صانعاً للقرار ومشرعاً يمتلك رؤية متكاملة لإدارة الشأن العام.
ويشهد التاريخ السياسي أن العجز الجسدي لم يكن يوماً عائقاً أمام العطاء الفكري والتدبيري الفذ؛ ولعل تجربة البرلماني الراحل الأستاذ عبد العزيز لمسيوي تشكل النموذج الساطع والمثال الحي على ذلك.

فقد أبان الرجل، رغم وضعك الصحي والجسدي، عن كفاءة استثنائية وقدرة عالية في التشريع والعمل البرلماني، كما ترك بصمة متميزة عندما تولى المسؤولية الحكومية كوزير مكلف بقطاع حيوي، متفوقاً بأدائه وحضوره السياسي القوي على الكثير من الأصحاء. لقد أثبت لمسيوي أن الإعاقة حافز للتألق وليست مانعاً للسياسة، وأن العطاء السياسي ينبع من الفكر والإرادة ونزاهة التسيير، لا من السلامة الجسدية.
غير أن النموذج المشرق للراحل عبد العزيز لمسيوي ظل يتيمًا وفرديًا في المشهد السياسي، نظرًا لغياب آليات قانونية ملزمة للأحزاب للقيام بتمييز إيجابي يضمن حضور هذه الفئة.
فكما احتاجت النساء والشباب إلى آليات تنظيمية خاصة لدخول المؤسسة التشريعية والمجالس الجماعية، يحتاج الأشخاص في وضعية إعاقة اليوم إلى نص قانوني صريح يُجبر الأحزاب على إدراجهم في مراتب متقدمة داخل اللوائح الانتخابية. يضاف إلى ذلك غياب التهيئة اللوجستية وتيسير الوصول داخل المقرات الحزبية وقاعات المؤتمرات العمومية، مما يجعل الانخراط السياسي اليومي مكلفاً وشاقاً بالنسبة لهم، فضلاً عن ضعف التكتلات والروابط الضامنة لحقوقهم داخل التنظيمات الموازية للأحزاب.
إن تجاوز هذا التهميش الممنهج يقتضي انتقالة نوعية في فكر الأحزاب السياسية، تتخلى بموجبها عن منطق الهيمنة الانتخابية العابرة لصالح استيعاب التنوع المجتمعي. إن رد الاعتبار لذوي الإعاقة في الحياة السياسية يمر حتماً عبر سن قوانين تؤمن مشاركتهم الفعلية، وتوفير البيئة اللوجستية الملائمة لنشاطهم، وترسيخ ثقافة تعتبر الكفاءة والنزاهة هما المعيار الوحيد لتقييم المرشحين، استلهاماً من تجارب وطنية ملهمة أثبتت أن قوة الوطن تُبنى بإرادة أبنائه وفكرهم لا بأجسادهم.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com