معاريف بريس – أخبار وطنية
لم يعد يخفى على أحد أن منظومة التعليم العالي في المغرب تعيش اليوم واحدة من أسوأ فترات التخبط والارتجال في تاريخها الحديث.
فبين عشية وضحاها، تحولت الوزارة الوصية من مؤسسة لرسم الاستراتيجيات العلمية وبناء مجتمع المعرفة، إلى “مقصلة إدارية” تطيح برؤوس الكفاءات الأكاديمية يميناً وشمالاً، في مسلسل إعفاءات متسارع انطلق من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، مراراً بـ “تصفية” عمداء آخرين، وصولاً إلى الإطاحة بعميد جامعة شعيب الدكالي بالجديدة.
هذا المسلسل الدرامي، الذي يُخرج فصوله السيد الوزير بكثير من الاستعراض وقليل من الحكمة، لا يمكن قراءته إلا كعنوان عريض لسياسة الفشل المتراكم، ومحاولة بائسة للهروب إلى الأمام عبر تعليق شماعة الإخفاقات الوزارية على كاهل مسؤولي المؤسسات الجامعية.
حين تصبح “العزل والإعفاء” الأداة الوحيدة للتدبير، فإننا لا نتحدث عن إصلاح، بل عن تصفية حسابات ضيقة وإفراغ للجامعة من نخبها المستقلة.
إن رفع شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” بات كلمة حق يُراد بها باطل؛ فالمحاسبة الحقيقية تقتضي نشر تقارير سوداء واضحة للرأي العام، لا إشهار سيف “الإعفاء التعسفي” خلف الأبواب المغلقة لإسكات الأصوات المخالفة، أو لفسح المجال لتعيين “المقربين” والموالين للأجندة الوزارية التي تفتقر لأدنى مقومات الواقعية.
إن ما يحدث اليوم هو تجريف حقيقي للذاكرة التدبيرية للجامعة، وضرب في مقتل للاستقرار الإداري والبيداغوجي، فكيف لجامعة أن تنتج بحثاً علمياً، أو تبني شراكات دولية، أو تضمن استقراراً للطلبة والأساتذة، وهي تعيش تحت رحمة “المؤقت” و”النيابة” وخوف المسؤولين من مزاجية القرار الوزاري؟
لقد جاء الوزير الحالي مبشراً بمخططه الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي، وهو مخطط لم نجنِ منه حتى الآن سوى الشعارات الرنانة، والفرنسة الممسوخة للمسالك، وإغراق الجامعة في متاهات “المهارات الناعمة” على حساب العمق المعرفي والعلمي. والوزارة، بعجزها عن ابتكار حلول حقيقية لأزمة الاكتظاظ، وضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمي، وتردي الوضعية المادية والاعتبارية للأساتذة الباحثين، اختارت الطريق الأسهل بشيطنة القيادات الجامعية الحالية وإظهارها بمظهر العاجز لتبرير فشل الرؤية الوزارية الشمولية.
إن النتيجة الحتمية لهذه السياسة الأحادية هي تحويل الجامعات المغربية من منارات للفكر النقدي والبحث العلمي الرفيع، إلى “جامعات تافهة” ومعاهد للتكوين المهني السريع، غايتها الوحيدة تلبية متطلبات سوق شغل عابر، دون أي أفق معرفي أو تنموي حقيقي.
إن استمرار هذا العبث الإداري، وتحويل الوزارة إلى “مقر قيادة” لإصدار صكوك الغفران أو الإعفاء، يسير بالجامعة العمومية نحو منحدر خطير يفقدها جاذبيتها ومصداقيتها.
وعلى الوزير الحالي أن يدرك أن إصلاح التعليم العالي لا يمر عبر جلساته سابقا في حانة، من ترهيب ” الكارسون” إلى ترهيب العمداء ورؤساء الجامعات، ولا عبر فرض وصاية بيروقراطية خانقة تقتل استقلالية الجامعة، بل يتطلب الإنصات الشجاع، واحترام ذكاء النخبة الأكاديمية، والاعتراف بأن أزمة التعليم العالي في المغرب هي أزمة سياسات وتوجهات عامة، وليست أزمة أشخاص يُضحى بهم في كل “تعديل” أو “غضبة” إدارية.
لقد حان الوقت ليدق الغيورون ناقوس الخطر: كفى من العبث بمستقبل أبناء المغاربة، وكفى من إضعاف الجامعة العمومية لحساب أجندات لا تخدم سوى الرداءة والتبعية!
فتح الله الرفاعي
معاريف بريس htpps://maarifpress.com