معاريف بريس – أخبار وطنية
بين لغة الأرقام التي تتباهى بها المؤسسات الحكومية، وواقع الإفلاس الذي يطارد آلاف الشباب، تبدو الهوة سحيقة. لقد رسمت الرؤية الملكية السامية، من خلال برنامج “انطلاقة” (2020) وما تلاه، خارطة طريق واضحة لدمج الشباب في الدورة الاقتصادية عبر “المقاولة”.
لكن، وبعد مرور سنوات، يجد الشاب المغربي نفسه عالقاً في “مصيدة”؛ فلا هو نال الدعم الحقيقي، ولا هو نجا من الملاحقات القضائية.
إن أكبر طعنة في ظهر التوجيهات الملكية هي استمرار منطق “الوزيعة” في الصفقات العمومية (Les Marchés Publics). فبينما يُطلب من الشاب الصبر والمثابرة، تُقدم “كعكة” الصفقات على طبق من ذهب لشبكة عائلية مغلقة.
لم يعد الأمر سراً؛ هناك “توريث” مفضوح للمرشيات، حيث تذهب الصفقات لزوجات وأبناء مسؤولين إداريين وبرلمانيين، تماماً كما تُورث المقاعد الانتخابية في بعض المؤسسات. في هذا الجو الموبوء، يجد المقاول الشاب نفسه عاجزاً حتى عن انتزاع “سند طلب” (Bon de commande) بسيط، لأن الأبواب مُوصدة بمفاتيح “الولاء والمصاهرة”، وليس بمفاتيح الكفاءة والتنافسية.
وبالمقابل نجد، الحكومة تتفاخر برقمنة المساطر وإحداث المقاولات في ظرف 72 ساعة، والنتيجة؟ 50.300 مقاولة مُحدثة رقمياً. لكن السؤال الجوهري الذي يتم القفز عليه هو: كم من هذه المقاولات لا تزال تتنفس؟
إن التركيز على “كم” المقاولات بدل “كيف” استمرارها هو “عبث إحصائي”. فالإنجاز ليس في استخراج السجل التجاري، بل في خلق القيمة المضافة. إن حصر النجاح في أرقام التسجيل هو محاولة بائسة للتغطية على الفشل الذريع في “المواكبة” (L’accompagnement)، التي ظلت مجرد حبر على ورق في تقارير الاجتماعات الرسمية.
الأرقام الصادمة تشير إلى أن أكثر من نصف المقاولين الشباب الذين استفادوا من هذه البرامج معرضون اليوم للمتابعة القضائية أو السجن. كيف تحول “حلم المقاولة” إلى “كابوس قضائي”؟
• غياب التتبع: البنوك صرفت القروض لكنها رفعت يدها عن المواكبة التقنية والمالية.
• انعدام الولوج للسوق: تم منح الشباب “المال” وحُرموا من “الطلبيات”، فكيف سيسددون القروض؟
• نسب الفائدة والضمانات: رغم التسهيلات (2% و1.75%)، إلا أن جمود الإدارة والبيروقراطية القاتلة جعلت من هذه القروض “حبالاً للمشانق” بدل أن تكون “رافعات للنمو”.
إن ما يحدث اليوم هو التفاف صريح على الرؤية الملكية التي أرادت من “انطلاقة” أن يكون ثورة اجتماعية واقتصادية. إن تكريس “الزبونية” في منح الصفقات وتهميش الشباب لفائدة عائلات النفوذ السياسي والإداري هو “خيانة” للأمانة.
على الحكومة والجهات المعنية أن تدرك أن استمرار هذا الوضع لا يهدد السلم الاجتماعي فحسب، بل يقتل “روح المبادرة” لدى أجيال قادمة.
إن المقاول الشاب لا يحتاج إلى “إحسان” أو “أرقام وهمية”، بل يحتاج إلى عدالة في توزيع الصفقات، وحماية من تغول اللوبيات، وتتبعاً حقيقياً يخرجه من عتمة الملاحقات القضائية إلى أنوار النجاح المقاولاتي.
فتح الله الرفاعي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com