معاريف بريس – أخبار دولية
لطالما اعتُبرت منطقة الساحل والصحراء صندوقاً أسود للتحالفات الجيوسياسية المعقدة، إلا أن التطورات الأخيرة في مالي بدأت تزيح الستار عن حقائق ميدانية تعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة برمتها.
إن إعلان القوات المسلحة المالية عن توقيف عناصر إرهابية تحمل الجنسية الجزائرية وأخرى تابعة لميليشيات “البوليساريو” في قلب المعارك الدائرة شمال ووسط البلاد، لا يمثل مجرد نجاح عسكري عابر، بل هو “زلزال استخباراتي” يثبت بالأدلة المادية فرضية “الروابط العضوية” بين الحركات الانفصالية والجماعات المتطرفة العابرة للحدود.
هذا الاختراق الميداني يأتي في توقيت شديد الحساسية، حيث تشهد العلاقات بين باماكو والجزائر قطيعة ديبلوماسية غير مسبوقة بعد إنهاء مالي لـ “اتفاق السلم والمصالحة”، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور الذي تلعبه هذه العناصر الوافدة من وراء الحدود الشمالية لمالي.
إن الربط بين هذا الخبر وبين التحول الاستراتيجي في العقيدة السياسية المالية، خاصة بعد قرار باماكو التاريخي بسحب اعترافها بالكيان الانفصالي في تندوف ودعم مغربية الصحراء، يكشف بوضوح أن مالي أصبحت ساحة لتصريف “الانتقام الجيوسياسي”.
فوجود مقاتلين من البوليساريو يقاتلون جنباً إلى جنب مع جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة (JNIM) يعكس حالة من اليأس لدى الجبهة الانفصالية التي باتت تبحث عن موطئ قدم جديد كمرتزقة في حروب الوكالة، مستغلة حالة الفراغ الأمني الذي خلفه انسحاب القوى الدولية.
هذا المشهد يضع الجزائر في موقف ديبلوماسي محرج أمام المجتمع الدولي، حيث لم يعد الحديث عن “الجار المسهل للسلام” منطقياً في ظل سقوط عناصر من مواطنيها وحلفائها في قبضة الجيش المالي كأسرى حرب إرهابيين.
إن تداعيات هذا الخبر تتجاوز الحدود المالية لتصل إلى عمق المنتظم الدولي، حيث بات لزاماً على الفاعلين الدوليين إعادة تصنيف ميليشيات البوليساريو كمهدد مباشر للأمن الإقليمي في الساحل، وليس مجرد طرف في نزاع إقليمي.
مالي من خلال كشفها لهذه الارتباطات المشبوهة، ترسل رسالة حازمة مفادها أن سيادتها لم تعد قابلة للمساومة، وأن الطريق نحو الاستقرار في أفريقيا يمر حتماً عبر تجفيف منابع التواطؤ بين الأطماع الانفصالية والأجندات الإرهابية، وهو ما يعزز من قيمة التحالفات الجديدة التي تبنيها باماكو مع القوى الإقليمية التي تحترم وحدة الدول وسيادتها.
خاص
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


