معاريف بريس – أخبار دولية
بينما تنشغل غرف التحرير العالمية بمتابعة التحركات الميدانية وحسابات الربح والخسارة في المواجهة المباشرة، ثمة “هندسة سياسية” تجري في كواليس واشنطن تتجاوز مجرد فكرة وقف إطلاق النار المؤقت الذي أُعلن عنه مؤخراً. إن الموقف الأمريكي الحالي، الذي يتزعمه الرئيس ترامب، لا يتوقف عند حدود تدمير البنية التحتية العسكرية، بل يمتد إلى رسم ملامح “النظام الإيراني الجديد” الذي بدأت واشنطن تفرض شروط صياغته بصرامة غير مسبوقة.
هذا الموقف لا يستهدف فقط إضعاف القيادة الحالية، بل يضع فيتو صريحاً ونهائياً على أسماء بعينها كانت تُعد لوراثة السلطة، وعلى رأسها مجتبى خامنئي، الذي وصفته الدوائر المقربة من البيت الأبيض بأنه “خيار غير مقبول” ولن يُسمح له بأن يكون جزءاً من أي معادلة استقرار قادمة.
السرية التي تكتنف هذه التحركات تعود إلى أن واشنطن لم تعد تكتفي بالتصريحات الدبلوماسية، بل انتقلت إلى مرحلة “الفرض القسري” لهيكلية حكم جديدة.
فالحديث في الأروقة المغلقة يتجاوز رحيل الوجوه القديمة ليصل إلى تفكيك “مؤسسة المرشد” بصيغتها التاريخية، واستبدالها بنظام تعتبره واشنطن “أكثر عقلانية” وقابلية للتفاوض، وهو ما يفسر حدة الخطاب الأمريكي الذي منح مهلاً زمنية قصيرة جداً للانصياع أو مواجهة “الدمار الشامل”.
واشنطن ترى في عجز الجيش النظامي الإيراني عن لجم الأذرع الإرهابية مبرراً كافياً لتجاوز السيادة التقليدية والتدخل المباشر لرسم حدود الأمن القومي في المنطقة، معتبرة أن أي نظام لا يحظى بـ “ختم الموافقة الأمريكي” لن يُكتب له البقاء طويلاً.
المفارقة الكبرى تكمن في أن واشنطن تروج اليوم لفكرة “إيران العظيمة مجدداً” (MIGA) كطعم للشعب الإيراني، محاولةً فصل مصير الدولة عن مصير “الورثة” الذين ترى فيهم واشنطن مجرد استمرار لنهج الصدام.
هذا الموقف المتشدد تجاه مجتبى خامنئي تحديداً، يعكس رغبة أمريكية في قطع الطريق على أي “سلالة ثورية” قد تعيد إنتاج الأزمات ذاتها.
ومن هنا، يبرز التهديد باستهداف المنشآت الحيوية وشبكات الطاقة ليس كفعل عسكري فحسب، بل كرسالة ضغط نهائية لإجبار الداخل الإيراني على الاختيار بين “الانهيار الحضاري الكامل” أو القبول بصيغة النظام الجديد الذي لا مكان فيه لرموز الحرس القديم أو خلفائهم المفترضين.
في نهاية المطاف، يبدو أن استراتيجية واشنطن في أبريل 2026 قد انتقلت من “تغيير السلوك” إلى “تغيير الهيكل”، حيث يُنظر إلى الهدنة الحالية على أنها “فرصة أخيرة” للنظام القائم لتقديم تنازلات تمس صلب شرعيته.
إن غياب مجتبى خامنئي عن المشهد، سواء بضغط أمريكي أو بتوافقات تحت الطاولة، هو الثمن الذي تطلبه واشنطن لرفع “سيف الدمار” عن طهران. وما يدور خلف الأبواب الموصدة في واشنطن يؤكد أن “النظام الجديد” الذي يتحدث عنه ترامب هو نظام منزوع المخالب الإقليمية، وبلا ورثة سياسيين، وخاضع تماماً لشروط الأمن التي تضعها الولايات المتحدة كضامن وحيد لاستقرار المنطقة.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

