معاريف بريس – أخبار وطنية
في الوقت الذي تحاول فيه مدينة الدولة ضمان السكن اللائق للمواطنين ، تجد أكادير التي استعادة بريقها كوجهة سياحية دولية رائدة، تبرز على السطح ظاهرة “الشقق المفروشة” التي يفترض مخصصة للسكن الاقتصادي، كغول يبتلع حصة الأسد من ليالي المبيت، محولةً أحياء بأكملها إلى “فنادق مفتوحة” خارج نطاق الرقابة الضريبية والأمنية. بين سماسرة “المفاتيح” المنتشرين في مدارات “تالبورجت” و”فونتي”، وبين منصات التأجير الرقمية العالمية، يضيع الخيط الرفيع بين تنشيط السياحة المحلية وبين الفوضى التي تهدد السلم الاجتماعي والأمن القومي بالمدينة.
اقتصاد الظل.. المليارات التائهة
لم تعد الفنادق المصنفة في أكادير هي الخيار الأول للسائح المغربي أو حتى الأجنبي؛ فالحرية التي توفرها الشقة المفروشة وسعرها المنافس جعلاها تتصدر المشهد.
لكن هذا الانتعاش يقابله نزيف حاد في خزينة الدولة؛ حيث يشتغل الآلاف من أصحاب هذه الشقق في “منطقة رمادية” بعيداً عن أعين مصلحة الضرائب.
وحسب تقديرات مهنية، فإن القطاع غير المهيكل للإيواء السياحي في أكادير يحرم ميزانية الدولة والمجالس الجماعية من مليارات الدراهم سنوياً، في منافسة غير متكافئة مع المؤسسات الفندقية التي تئن تحت وطأة الرسوم والواجبات القانونية.
الأمن والخصوصية.. الوجه المظلم للمفاتيح
خلف الواجهات الأنيقة للإقامات السكنية في أحياء “صونابا” و”حي السلام”، تختبئ مخاطر أمنية لا يمكن التغافل عنها. فغياب “سجلات التسجيل” الإجبارية التي تفرضها الفنادق، يجعل من هذه الشقق ملاذاً آمناً لكل من يريد التواري عن الأنظار، بدءاً من الأنشطة المشبوهة وصولاً إلى إمكانية استغلالها من طرف أشخاص خارجين عن القانون.
ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل ساكنة الإقامات الذين يجدون أنفسهم في مواجهة يومية مع الغرباء، الضجيج، واختراق الخصوصية، مما حول العيش في بعض الأحياء الراقية إلى كابوس حقيقي للعائلات الأكاديرية.
قانون 80.14.. نص طموح وواقع معقد
رغم صدور القانون رقم 80.14 المتعلق بالمؤسسات السياحية وأشكال الإيواء الأخرى، والذي حاول تأطير “إيواء القاطن”، إلا أن تنزيله على أرض الواقع في عاصمة سوس يواجه عقبات جمة.
فالتهرب من الحصول على تراخيص الاستغلال يظل هو القاعدة، وصعوبة المراقبة الميدانية داخل “الملكيات الخاصة” تجعل السلطات المحلية أمام تعقيدات مسطرية تحول دون ضبط التجاوزات. هذا الفراغ التنظيمي لم يشجع فقط أصحاب الشقق، بل فتح الباب أمام سماسرة عشوائيين يتحكمون في خيوط اللعبة بـ “لوحة خشبية” ومفتاح في مفترق الطرق.
النزوح القسري لأبناء المدينة
لم تكتفِ الظاهرة بتهديد الأمن والسياحة، بل ضربت في العمق القدرة الشرائية للساكنة المحلية. فقد تسبب “جنون الإيجار اليومي” في ندرة الشقق المخصصة للكراء السنوي، مما رفع الأثمنة إلى مستويات خيالية لا تناسب دخل الموظف أو الطالب. هذا الوضع دفع المئات من الأسر الأكاديرية إلى “هجرة قسرية” نحو الهوامش والمدن المجاورة مثل “القليعة” و”الدراركة”، بحثاً عن سكن قار بثمن معقول، بعدما تحولت أحياء مدينتهم الأصلية إلى “مضاربات عقارية” لا ترحم.
بين الهيكلة والاحتواء
إن ظاهرة الشقق المفروشة للسكن الاقتصادي، في أكادير باتت “شراً لا بد منه” لتلبية الطلب السياحي المتزايد، لكن استمرارها في عشوائيتها الحالية يهدد بتحويل المدينة إلى بؤرة للتوتر.
والحل، حسب الخبراء، لا يكمن في “المنع” المستحيل تقنياً، بل في “الهيكلة” عبر فرض منصات تسجيل رقمية، وتحفيز أصحاب الشقق على التصريح القانوني مقابل ضرائب مخففة، مع تشديد الرقابة الأمنية على السكن الاقتصادي لضمان سلامة الجميع.
أكادير اليوم في مفترق طرق؛ فإما أن تنجح في لجم هذا “الغول” وتحويله إلى رافعة اقتصادية منظمة، أو تتركه ينهش في جسد هويتها السياحية والاجتماعية حتى الانفجار.
معاريف بريس htpps://maarifpress.com


