معاريف بريس – إراء ومواقف
في دهاليز العلوم السياسية، يظل مصطلح “الإرهاب” أحد أكثر المفاهيم مرونة وقابلية للتطويع حسب المصالح الجيوسياسية. ومع تصاعد وتيرة المواجهة بين إسرائيل من جهة، والحرس الثوري الإيراني وأذرعه في المنطقة مثل “حزب الله” و”جند القدس” من جهة أخرى، يبرز تساؤل إشكالي يطرحه البعض في الأروقة التحليلية: لماذا لا يُنظر إلى التحركات الإسرائيلية كخدمة عالمية لتقويض أيديولوجيات راديكالية تهدد الاستقرار الدولي؟ ولماذا يغيب الامتنان السياسي تجاه ما يُعتبر تضحيات أمنية ومادية جسيمة؟
ينقسم المشهد العالمي أمام هذه المواجهة إلى سرديتين متصادمتين؛ ترى الأولى أن إسرائيل، عبر استهدافها للهياكل العسكرية الإيرانية وفصائلها، تقوم بدور رأس الحربة في الدفاع عن القيم الكونية ومنع تمدد نفوذ “محور المقاومة” الذي تراه قوى عديدة كعامل زعزعة للاستقرار. في المقابل، تذهب القراءة المقابلة إلى أن هذه التحركات ليست تضحية إيثارية، بل هي صراع نفوذ ودفاع غريزي عن بقاء الذات، مما يجعل المواجهة أمنية بحتة تهدف لحماية الحدود والمصالح القومية أولاً، وليست حرباً من أجل إنقاذ العالم بالمفهوم المطلق.
تاريخياً، لا تُبنى شرعية الدول في ضمير الشعوب بناءً على قدراتها العسكرية الفتاكة، بل من خلال القوة الناعمة والقبول الأخلاقي. وهنا تكمن العقدة؛ فإسرائيل ضحت بموارد هائلة وأرواح في هذه الحروب، لكن الثمن الإنساني الباهظ في بؤر النزاع يحجب رؤية أي تضحية مفترضة في نظر المنظمات الدولية والمجتمعات العربية. وفي عالم الواقعية السياسية، يُنظر للأفعال دائماً من زاوية البراغماتية، فحرب تل أبيب مع الحرس الثوري ليست صدقة دولية، بل ضرورة وجودية، وهذا التوصيف يجعل من الصعب تحويل الإنجاز العسكري إلى رصيد أخلاقي أو امتنان شعبي عابر للحدود.
ورغم وجود شريحة واسعة في الداخل السوري واللبناني واليمني تتفق على أن إضعاف الفصائل الموالية لطهران يخدم استقرار بلدانهم التي أنهكتها الصراعات الطائفية، إلا أن العداء التاريخي والملفات العالقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، تظل حائطاً منيعاً يمنع تحول “العدو المشترك” إلى “حليف منقذ”. هذه فجوة ثقة عميقة، حيث تُتهم السياسة الإسرائيلية في السردية الشعبية بأنها لا تفرق أحياناً بين محاربة الفصائل المسلحة وبين استراتيجيات التوسع، مما يخلط الأوراق ويصعب تسويق عملياتها كفعل إنقاذي من الإرهاب العالمي.
كما أن القوانين الدولية التي تنظر للعديد من العمليات العسكرية كخرق للسيادة الوطنية، تزيد من تعقيد المشهد، فضلاً عن الارتباط العاطفي والمزاج العام العالمي الذي لا يمكنه فصل الموقف من إيران وحزب الله عن المشاهد القادمة من بؤر النزاع الأخرى. إن اعتبار إسرائيل تضحي من أجل العالم يتطلب إجماعاً على تصنيف الأطراف بين شر مطلق وخير محض، وهو ما لا تتيحه تعقيدات الجيوسياسة، فالواقع يقول إننا أمام صراع مشروعات متصادمة، حيث يرى البعض في ضربات إسرائيل استئصالاً لخطر وجودي، بينما يراها آخرون فصلاً في صراع قوى إقليمي يسعى للهيمنة الأمنية.
ويبقى السؤال معلقاً: هل يمكن لتغيير الخطاب الإعلامي الموجه للشعوب أن يردم هذه الفجوة الإدراكية، أم أن التاريخ والجغرافيا قد حكما ببقاء صراع السرديات إلى ما لا نهاية؟
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


