معاريف بريس – آراء ومواقف
تطرح الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في سويسرا، التي خرج فيها الآلاف للدفاع عن استقلالية وتمويل هيئة الإذاعة والتلفزيون (SBC)، تساؤلات جوهرية حول “السيادة الإعلامية” وأثر السياسات التمويلية على التعددية.
هذه التساؤلات تجد صداها بقوة في المشهد الإعلامي المغربي، حيث يواجه القطاع تحديات مزدوجة تتعلق بـ “امتهان” الصحافة وتهميش المقاولات الإعلامية الصغرى والمتوسطة.
سويسرا: الشعب ينتصر لـ “الخدمة العمومية”
في مدينة بلينزونا جنوب سويسرا، تظاهر الآلاف رافضين مبادرة “200 فرنك سويسري تكفي!” التي تهدف لتقليص ميزانية الإعلام العمومي. المنظمون أكدوا أن المساس بهذا التمويل لا يعني فقط فقدان وظائف (بنسبة 0.9% من الأجور في بعض الأقاليم)، بل يعني ضرب “التماسك الوطني” وتهميش المناطق الناطقة باللغات الأقلية، مما يعزز هيمنة المؤسسات الكبرى على حساب التنوع الثقافي.
المغرب: امتهان الصحافة في ظل التهميش البنيوي
في المقابل، يعاني المشهد الصحفي في المغرب من أزمة هيكلية ترتبط بكيفية توزيع الدعم العمومي وإدارة السوق الإعلاني. وبينما تدافع الجماهير في سويسرا عن مؤسساتها، يجد الصحفي المغربي نفسه في مواجهة “امتهان” حقيقي للمهنة نتيجة لعدة عوامل:
1. تهميش المقاولات الصغرى والمتوسطة: في الوقت الذي يركز فيه النموذج الاقتصادي الجديد للإعلام على دعم “الأقطاب الكبرى”، تجد المقاولات الإعلامية الصغرى والمتوسطة نفسها خارج دائرة التأثير.
هذه المقاولات، التي تشكل العمود الفقري للتعددية في الجهات والأقاليم، تعاني من ضعف الولوج إلى الصفقات العمومية وحصص الإعلانات، مما يهدد استمراريتها ويؤدي إلى إغلاق العديد منها.
2. أزمة التمويل والاستقلالية: كما هو الحال في النقاش السويسري حول “الرسوم”، يعاني الإعلام المغربي من غياب نموذج تمويلي عادل يضمن للمقاولات الناشئة الصمود أمام هيمنة المنصات العالمية الكبرى.
هذا الوضع يؤدي إلى “هشاشة مهنية” تجعل من الصعب على الصحفيين ممارسة مهامهم وفق معايير الجودة والاستقلالية.
3. إشكالية “امتهان الصحافة”: إن تهميش المقاولات الصغرى لا يضرب الاقتصاد فقط، بل يضرب “المهنة” في مقتل؛ حيث تضطر هذه المؤسسات تحت ضغط الحاجة المالية إلى السقوط في فخ “البوز” أو الصحافة الصفراء لضمان العائدات، مما يسيء لصورة الصحافة كـ “سلطة رابعة” ويحولها إلى مجرد أداة تجارية.
الربط والتحليل: حتمية “الدعم المشروط بالتعددية”
إن الدرس السويسري يخبرنا أن الإعلام ليس مجرد أرقام وميزانيات، بل هو “خدمة عمومية” تحفظ هوية المجتمع. وفي المغرب، يتطلب التحيين المهني للمشهد الإعلامي الانتقال من منطق “الدعم للمؤسسات الكبرى فقط” إلى منطق “الاستثمار في التعددية”.
إن النهوض بالمقاولات الإعلامية الصغرى والمتوسطة هو الكفيل بوقف تدهور المهنة. فبدون حماية هذه المقاولات من “التهميش”، سيظل المشهد الإعلامي المغربي يعاني من فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي حول “تحديث القطاع” وبين الواقع المرير للصحفيين والمقاولات التي تصارع من أجل البقاء في الهوامش.
الخلاصة:
سواء في سويسرا أو المغرب، يظل التحدي واحداً: كيف نحمي “الصحافة” من أن تصبح مجرد سلعة للمقاولات الكبرى؟ إن صرخة المتظاهرين في بلينزونا هي دعوة لإنقاذ التنوع، وهي الصرخة التي يجب أن يتردد صداها في المغرب لإصلاح منظومة دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة كشرط أساسي لكرامة المهنة واستقلاليتها.
معاريف بريس htpps://maarifpress.com