معاريف بريس – آراء ومواقف
تتشابك في المغرب خيوط الجرائم المرتبطة بالعلاقات العاطفية والجنسية، سواء في إطار الزواج أو العلاقات العابرة والمثلية، لتكشف عن بنية اجتماعية ونفسية تعاني من تصدعات عميقة عند مواجهة الأزمات الوجدانية.
إن التحليل السوسيولوجي لهذه الظاهرة في السياق المغربي ينطلق من فكرة “التمرد على السيطرة”؛ حيث يتحول شريك الأمس إلى خصم يجب محوه حينما يقرر ممارسة حقه في المغادرة أو الاستقلال.
ففي قضايا الطلاق التي انتهت بجرائم قتل مروعة، كما حدث في واقعة “جريمة تيط مليل” أو بعض الحوادث بضواحي مراكش، نجد أن الجاني غالباً ما يكون مدفوعاً بانهيار “الصورة الرجولية” أمام محيطه الاجتماعي، حيث يُنظر إلى طلب المرأة للطلاق كفعل إخصاء معنوي يستوجب رداً عنيفاً لاسترداد الاعتبار.
هذا “الجرح النرجسي” يتغذى على ثقافة ذكورية تعتبر عقد الزواج عقد تملك أبدي، مما يجعل من فكرة “التسريح بإحسان” غائبة تماماً أمام رغبة الانتقام التي تتجسد في طعنات غادرة أو تنكيل بالجثث، تعبيراً عن رفض الجاني لفكرة وجود الشريك خارج سلطته.
أما عند الانتقال إلى تحليل الجرائم المرتبطة بالعلاقات الجنسية المثلية في المغرب، فإننا نصطدم بجدار من “المسكوت عنه” الذي يضاعف من بشاعة الجريمة ودرجة العنف المستخدم فيها.
تتسم هذه الجرائم في الغالب بما يُعرف جنائياً بـ “الإفراط في القتل، حيث يتم طعن الضحية عشرات المرات أو التنكيل بها، وهو سلوك يعكس حجم الصراع الداخلي والكبت الذي يعيشه الجاني. ولعل قضية “جريمة سلا” أو بعض الحوادث التي شهدتها مدينة طنجة في أوقات سابقة، تبرز كيف يتحول “الابتزاز” إلى المحرك الرئيسي للدم؛ فحينما يهدد أحد الأطراف بكشف طبيعة العلاقة في مجتمع يوصم المثلية بالعار ويجرمها قانوناً عبر الفصل 489 من القانون الجنائي، يجد الطرف الآخر نفسه في حالة “ذعر أخلاقي” تدفعه لتصفية الشريك ليس رغبة في القتل بحد ذاته، بل لدفن “السر” الذي يهدد وجوده الاجتماعي.
هنا تصبح الجريمة وسيلة دفاعية “يائسة” لحماية السمعة، مما يحول لقاءً حميمياً إلى مأساة جنائية.
إن الربط بين هذه الأنماط الإجرامية يكشف عن قاسم مشترك يتمثل في “غياب ثقافة تدبير الاختلاف العاطفي” وسيطرة منطق “الفضيحة” على منطق “الحق”. ففي حالات العلاقات الجنسية غير النمطية، تلعب التطبيقات الرقمية للمواعدة دوراً في استدراج الضحايا تحت غطاء السرية، حيث يتم استغلال خوف الضحية من التبليغ لممارسة السرقة المقرنة بالعنف أو القتل.
إن هذه الديناميكية الإجرامية في المغرب تعكس حاجة ملحة لإعادة النظر في المقاربات الحمائية؛ فالعقوبات الزجرية وحدها لم تمنع زوجاً من قتل طليقته أمام المحكمة، ولم تمنع شاباً من قتل شريكه السري خوفاً من افتضاح أمره.
إنها جرائم تعبر عن أزمة قيمية عميقة، حيث يصبح الموت في نظر الجاني أهون من “العار”، وتصبح السيطرة على جسد الآخر أغلى من قدسية الحياة، مما يجعل المنظومة الجنائية تواجه تحدياً ليس فقط في العقاب، بل في فهم وتفكيك هذه الدوافع النفسية والاجتماعية المعقدة التي تحول الحب أو الرغبة إلى نصل حاد.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


