صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

وجهة نظر حول موقف المحكمة الدستورية من استقالة البرلماني

دفاعا عن المشروعية في وجه المحكمة الدستورية

 

 

أثارت استقالة مجموعة من البرلمانيين من مجلس المستشارين نقاشا وجدلا قانونيا حول علاقة الاستقالة بإنهاء الصفة البرلمانية للمستشار، وما يترتب عنها من حصول شرط الأهلية في الترشح لانتخابات الغرفة الأولى للبرلمان… ومتى يتحقق ذلك ، هل بالاعلان عن الاستقالة بالجلسة العمومية لمجلس المستشارين؟ أو عند صدور قرار المحكمة الدستورية في موضوع تثبيت شغور المقعد موضوع الاستقالة.

 

ولقد اختلط في النقاش الجانب السياسي بالجانب القانوني والحقوقي، مما أدى إلى خلق نوع من التعتيم على مسألة جوهرية تتعلق بمسؤولية المحكمة الدستورية حول الواجب الملقى على عاتقها في تأويل الدستور والمبادرة، كلما دعت المصلحة إلى ذلك، لإعلان رأيها بعيدا عن كل التباس أو انحياز أو تورط ودرءا لكل تأويل، عندما يحتدم الصراع بين الحقوق السياسية للمواطنين وإرادة الدولة، التي غالبا ما تلتجأ إلى القساوة في التحكم في كل المبادرات والأفعال السياسية.

 

وما حصل في الآونة الأخيرة من التزام المحكمة الدستورية بالصمت خلال شهر وما يزيد وإمساكها عن البث في الطلبات الموجهة إليها من طرف رئيس الحكومة في موضوع شغور المقاعد والاستقالة يثير الكثير من علامات الاستفهام ???.

 

ومن شأن ذلك، أن يمس في الصميم باستقلالية هذه المؤسسة، وهي في محك بداية دورها الجديد ، وفي موضوع يبدو صغيرا، ولكنه يحمل مؤشرا خطيرا حول مدى قدرة هذه المحكمة على مصاحبة المسار الديمقراطي والتحكيم العادل والمحايد في الصراع السياسي، الذي يعتبر الدستور والقوانين التنظيمية مؤطرا وحاميا له.

 

 

 

1)  الاستقالة وشرط الأهلية:

 

إذا كانت المادة الخامسة من القانون التنظيمي لمجلس النواب تنص على أن المستشار البرلماني غير مؤهل للترشح للعضوية في مجلس النواب، فإن على المستشار المعني أن يثبت تحقق شرط الأهلية، وذلك بزوال صفته البرلمانية في مجلس المستشارين ، وليس له من ملجإ في ذلك إلا الإدلاء بوثيقة الاستقالة ومحضر ثبوت إعلانها في الجلسة العمومية من مجلس المستشارين من طرف رئيس المجلس وفقا لأحكام المادة 102 من قانونه الداخلي.

 

وورود الاستقالة بشكل صريح في المادة 53 من القانون التنظيمي لمجلس المستشارين بجانب الوفاة كأحد الأمور التي يتم بها إنهاء الصفة البرلمانية للمستشار المستقيل، يتأكد أن الاستقالة ليست مسألة استثنائية لقاعدة نهاية الولاية الكاملة، بل هي إحدى العوامل بجانب أخرى التي يتم بها إنهاء الصفة البرلمانية.

 

فالمادة 53 من القانون التنظيمي المشار إليه تنص صراحة على “إعلان” الاستقالة يترتب عنه وجوباً مناداة المرشح الذي يرد اسمه مباشرة في لائحة الترشيح بعد آخر منتخب من نفس اللآئحة ليشغل المقعد الشاغر داخل أجل ثلاثة أشهر من يوم نشر قرار المحكمة الدستورية يثبت فيه شغور المقعد.

 

ولما كان القانون الداخلي لمجلس المستشارين جاء ليبين ويوضح مسطرة الاستقالة، كما هي واردة في قانونه التنظيمي، هذا القانون نفسه صادقت عليه المحكمة الدستورية طبقا لأحكام الدستور. وهو ما لم يبق معه مجال للشك في أن استقالة المستشار البرلماني تتم عند الإعلان عنها بالمجلس بجميع ما يترتب عنها من ضرورة تحريك مسطرة ملإ المقعد الذي استقال منه ويترتب عنها كذلك سقوط الصفة البرلمانية عن المستشار المستقيل.

 

وهذا ما استقر عليه عمل قضاء واجتهاد المحكمة الدستورية في عدة مناسبات مماثلة، حيث تم السماح لعدد من النواب البرلمانيين في الغرفة الأولى (مجلس النواب) في سنة 2006 من الترشح إلى انتخابات تجديد الثلث بمجلس المستشارين، بعد أن استقالوا من الغرفة الأولى دون أن يطالبوا بالإدلاء بما يفيد أن المحكمة الدستورية بثت في موضوع شغور المقعد. (يمكن الرجوع إلى عدد من القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري والمنشورة بالجريدة الرسمية)

 

(ولاحظوا أن البث السريع من طرف المحكمة الدستورية كان في اجل لا يتعدى 5 أيام من يوم توصله بطلب معاينة الشغور من الوزير الأول)

 

2)  في آلية التحكم السياسي:

 

من المعلوم أن الدستور الضامن للحريات وللحقوق السياسية لا يسمح للدولة بأن تتحكم في الآليات السياسية، وبالخصوص في اختيارات الأحزاب وفي منافستها في كل العمليات السياسية الانتخابية والتمثيلية وغيرها.

 

ولما اعتبرت وزارة الداخلية من موقعها كسلطة حكومية لها صلاحية تلقي طلبات الترشيح للانتخابات التشريعية بحكم القانون أن أهلية ترشح المستشار البرلماني المستقيل تتوقف على صدور قرار المجلس الدستوري بتثبيت شغور المقعد ، فإنها استعملت آليات التفسير والتأويل الإداري للقانون التنظيمي لمجلس المستشارين محل المحكمة الدستورية التي لها وحدها هذا الاختصاص.

 

والغريب في الأمر أن محاكم المملكة سايرت هذا التأويل بحكم سهولته في نمط عام يكاد يكون متشابها في نصه ومماثلا في صيغة الأحكام الصادرة عنها وفي جزئياته. مما يدل على أن هناك تنسيقا بين أجهزة الدولة لانتهاك استقلال القضاء، مرة أخرى، عاديا كان أو دستوريا، هذا الاستقلال الذي أكد عليه الدستور بشكل خاص. وهو ما يعتبر تحكما قسريا في العمليات السياسية بشكل يخالف الدستور.

 

3)  تورط المحكمة الدستورية:

 

يمكن أن ندرك أن انشغال السلطة الحكومية بهم صيانة العملية الانتخابية وحمايتها من الفساد وتوفير الظروف الملائمة لتمكين الهيئة الانتخابية من إفراز نخب جديدة ذات مصداقية، وهو ما تبرر به القساوة في التحكم الذي لا يتلائم مع مبادئ القانون… ولكن يصعب فهم الموقف السلبي للمحكمة الدستورية التي بقيت مكثوفة الأيدي وحشرت نفسها في موقف المتفرج، كأنها غير معنية، رغم الضجة الاعلامية الغير المتكافئة والمتناقضة والغير المستوية التي أثارها جو الانتظار والترقب وسكوت المؤسسة الدستورية عن إبداء رأيها.

 

إن هذا الموقف أدى إلى توريط القضاء العادي مرة أخرى، والذي وجد نفسه مضطرا لمسايرة السلطة التنفيذية في تأويلها للقانون التنظيمي لمجلس المستشارين، الذي يعتبر القانون الأول المعتمد بعد الدستور، في الوقت الذي كان فيه على المحكمة الدستورية أن تبادر فورا، كما دأبت على ذلك، إلى تبديد المخاوف والإعلان عن رأيها صراحة، مؤكدة بذلك اجتهاداتها المتواثرة ، إما بمعاينة الشغور، وإما في اتجاه تأويل أو تفسير آخر تقتضيه الظرفية السياسية للبلاد وحاجيات تنفيذ الدستور وفق أهدافه السامية، وذلك بالربط الصريح لقبول الاستقالة بصدور قرار بتثبيت شغور المقعد أو عدم تثبيته أو التصريح بعدم شغوره.

 

إن الأمر لا يتعلق بمجرد عتاب، ولكن يتعلق بتورط أو استدراج إلى التورط. وهو ما لا يتناسب البتة مع وظائف هذه المؤسسة الدستورية، ويمس في الصميم الآمال المعقودة على أعلى هيئة قضائية دستورية في البلاد، والتي تحتل موقع الحَكم الدستوري وتؤمن التأويل الديمقراطي والتطبيق الجاد والفعال والسليم لأحكام الدستور، وما يضمنه من حريات مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية.

 

إن هذا الموقف يثير أكثر من سؤال، وبالخصوص في الظرفية التي عرفت تكتلات مشبوهة وتداخلات في اللوائح الانتخابية وتركيبات في الأشخاص وضغوطات وإغراءات تكاد تشمل عدد كبيرا من مناطق البلاد.

 

كما أن هذا الموقف يمكن فهمه بأنه قرار أكثر من ضمني بمنع وليس برفض الاستقالة أو رفض تثبيت شغور المقاعد، وإنما هو قرار بمنع أشخاص كانت لهم صفة برلمانية في مجلس المستشارين، ثم أزيلت عنهم وتخلوا عنها بحكم الاستقالة، فمنعتهم المحكمة الدستورية من الترشيح بموقفها الذي لا يساير متطلبات الشجاعة السياسية في العمل الدستوري والنزاهة الفكرية والأدبية المطلوبتين.

 

وفي جميع الأحوال، يبقى فهم هذا الموقف معلقا في تاريخ الحياة الدستورية والسياسية في البلاد في علاقته بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

فإذا أعلن مجموعة من المستشارين عن نيتهم المشاركة في أول انتخابات تنظم في ظل الدستور الجديد، الذي يحمل آمال كل المغاربة وطموحاتهم. هذا الأمل الذي عبروا عنه من خلال المشاركة المكثفة في الاستفتاء على الدستور، لا يمكن مؤاخذتهم على استقالتهم من عضويتهم بالغرفة الثانية وإعلانهم عن رغبتهم في المشاركة وتحمل مسؤولية التزامات هذه المشاركة ومتطلباتها في الحياة السياسية للبلاد، انطلاقا مما يخوله لهم الدستور من حقوق سياسية في المشاركة والترشيح.    

إن استقالتهم لا يمكن أن تفهم بأنها تخلي عن مهامهم بالغرفة الثانية أو تسابق إلى المشاركة في الانتخابات، مسلحين بكل آليات وإمكانيات التشويش على العمليات الانتخابية، ناسين ما تحقق وراءهم من كد وتجربة إيجابية وتراكم في تحمل مسؤولية التدبير والتمثيل في الشأن العام.

 

فسلكوا بذلك الطريق الذي ينص عليه القانون التنظيمي لمجلس المستشارين وقانونه الداخلي. ويعتقدون أنهم يحتمون بمظلة المحكمة الدستورية التي عليها واجب إنصافهم في الوقت المناسب، إما بتثبيت شغور مقاعدهم أو التصريح بعكس ذلك ، بدل تركهم لقمة صائغة بين مخالب السلطة التنفيذية تصنع بهم ما تشاء.

 

بدون شك أن هذا الموقف ستترتب عنه نتائج لن تزيد الوضع إلا تشكيكا وابتعادا عن الشأن الانتخابي وعزوفا عن المشاركة ضحيته الأولى والأخيرة هو نهج ترسيخ الديمقراطية في البلاد.

 

 

عبد اللطيف اعمو

مستشار برلماني سابق

www.maarifpress.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads