صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

كيف حوّلت رداءة الأحزاب وريع “الكوطا” صناديق الاقتراع إلى فراقشية الانتخابات؟

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

لا يزال مشهدنا السياسي يصر على تقديم مسرحية انتخابية بائسة تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من الإجابات، مسرحية تُنفق فيها الأموال والجهود لتنتهي دائماً بـ”نفس الوجوه، ونفس النخب، ونفس العقلية الذكورية والتقليدية” التي جاثمت على صدر المجالس التشريعية لعقود.

إن العبث الحقيقي لا يكمن في الآلية الديمقراطية كفكرة، بل في هذه الرداءة البنيوية التي تمارسها دكاكين الأحزاب السياسية، والتي حوّلت صناديق الاقتراع من أداة للتغيير وتجديد النخب إلى مجرد صكوك غفران شرعية تُمنح لأعيان الانتخابات وديناصوراتها لإعادة تدوير أنفسهم ومصالحهم.

إن الحديث عن حاجتنا للانتخابات في ظل هذا الواقع المرير يصبح أشبه بجرعة دواء مرّة لا بديل عنها لمنع الموت السريري للمؤسسات، فالانتخابات على علاتها تظل صمام الأمان الوحيد لمنع الفراغ الدستوري وضمان الحد الأدنى من الاستقرار والمشروعية، إذ إن البديل عن الصندوق ليس نظاماً أفلاطونياً نزيهاً، بل هو التعيين المباشر والاقصاء التام لصوت الشارع، مما يعني إبقاء هؤلاء الفاسدين والمستفيدين في مناصبهم للأبد دون أدنى محاسبة أو إزعاج. غير أن هذا المبرر الدستوري لا يجب أن يكون مبرراً للسكوت عن الجريمة السياسية التي تُقترف داخل المطابخ المغلقة للأحزاب، حيث تسيطر أولغارشية حزبية فاسدة، تحتكر التزكيات وتضع المقربين وأصحاب الشكارات والمال السياسي في صدارة اللوائح، مستغلةً وعياً انتخابياً مشوهاً تقتات فيه على القبلية والزبونية والفقر.

والطامة الكبرى تتجلى في تحريف الآليات التي أُوجدت أصلاً لإنصاف الفئات المهمشة، وعلى رأسها “الكوطا” أو التمييز الإيجابي؛ فهذه الأداة التي استُحدثت لكسر الهيمنة الرجولية التقليدية وتعبيد الطريق للنساء والشباب الأكفاء، تحولت بقدرة قادر في دكاكيننا الحزبية إلى “ريع سياسي مقيت” وعملة للمحسوبية، تُمنح فيها المقاعد في صدارة القوائم لزوجات وبنات وأبناء القياديين والمتنفذين، في طعنة غادرة لمبدأ تكافؤ الفرص. ومع ذلك، فإن النضال من داخل هذا النظام الفاسد يظل هو الخيار الوحيد المتاح، لأن مقاطعة الصناديق أو إلغاءها هو استسلام مجاني يمنح هؤلاء الأعيان تفويضاً مطلقاً للعبث بمستقبل الوطن؛ فالتغيير مسار تراكمي عنيف لا يحدث بالطفرات، ولن يسقط هؤلاء التقليديون إلا عندما يتحول الوعي الشعبي وضغط الكفاءات الحقيقية إلى قوة تفرض دمقرطة الأحزاب من الداخل، وتجبر هذه الديناصورات على التراجع والاندثار أمام زحف جيل جديد يرفض أن يكون مجرد كومبارس في مسرحية ريعية مكشوفة.

فتح الله الرفاعي

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads