يدخل المغرب لحظة حاسمة من تاريخ الإصلاح والمؤسسات. كما أنه يقف على عتبة تحول من الممكن أن يخضع لأجندات متضاربة،ولتأويلات متناقضة اليوم تهم بالأساس التنزيل العملي الديموقراطي للدستور الجديد
.ولعل أهم شرط في التقدم على واجهة الدفاع الفعلي والصادق عن الدستور، هو أن يسعى المغرب السياسي الى خلق الشروط الحقيقية لهذا الدفاع وعن تطبيقه وتنزيله التنزيل الديموقراطي.
وحري بنا أن نقول أن الذي هو مخول للدفاع الفعلي والاستراتيجي عن دستور حظي بثقة المغاربة الكبرى والكثيفة، هو من راكم بالفعل تراثا نضاليا ورأسمالا سياسيا تاريخيا في النضال من أجل دستور البلاد، ومن أجل بناء المؤسسات وخلق شروط النهضة المتعددة الأبعاد، ودسترة العلاقات بين المؤسسات، وضبط سلطها.
وفي هذا الباب، ومن باب التاريخ لتراكم الدفاع عن الإصلاحات وعن الدساتير، يمكن القول إن شعار «الدفاع عن الدستور» لم يكن أبدا، في فترة من الفترات، مسألة إيجابية في تاريخ بلادنا، ولا كان بهدف التجسيد العملي للتحول، بقدر ما كان، وقتها، نقطة سلب رهيبة في تطور الحياة الوطنية،
بل استعمل الدستور لتعطيل السياسة!
لقد كان ذلك مفهوما وإن كان غير مقبول، وكانت كلفته السياسية والاجتماعية والمدنية، كبيرة للغاية.
وما زلنا نذكر كل الذين دافعوا عن جمود الحياة السياسية وإفراغ المكاسب الضئيلة ، التي حافظت عليها الحركة الوطنية، من جهة التعددية السياسية الفعلية، في حين كانت الحركة الديموقراطية والوطنية وتعبيراتها السياسية تدفع الثمن غاليا من أجل أن تتغير الأوضاع، وأن تقفز الدولة إلى مرحلة متقدمة مهمة للبلاد.
واليوم، ومن مكاسب الانتقالات التي حدثت في بلادنا، نجد القوى الحقيقية، التي دفعت الثمن غاليا من أجل الديموقراطية، هي التي تعمل من أجل خلق الشروط الفعلية لتنزيل دستور 2011، ودستور الأعوام القادمة. ولا يمكن، في أي توقع مهما كان متفائلا،أن ننتظر ممن لم يستبطن الحركية الإصلاحية طوال وجوده، أن يتحول الى رافعة لها، بين اقتراع وآخر. ولعل من البديهي أن دستورا حصل على أزيد من 98 % من أصوات المغاربة الذين تقدموا إلى مكاتب التصويت وهم نسبة عالية، لا يحتاج إلى من يدافع عنه، تحت أية ذريعة كانت، ولكن الدفاع عنه هو اليوم من صميم التوجه إلى المستقبل وليس استلهام الماضي.
ونلاحظ أن جزءا كبيرا من الحلول المقترحة في الحاضر لا يرقى إلى الجواب الذي تتطلبه المرحلة، ولا يرقى الى أن يصبح مادة لبناء الثقة بين الفاعلين السياسيين. وهي حلول، على كل حال، كانت جزءا من مشاكل الماضي، في صيغ أولية، وأصبحت جزءا من مشاكل الحاضر والمستقبل.
إن الخلط والغموض والزيادة في الضبابية ليس من شأنه أن يخلق الشرط السياسي الضروري لتنزيل ديموقراطي للدستور.
إن السياسة هنا قد تكون فرملة للدستور، إن لم نقل إجهاضا لمضامينه. لأن الضبابية والخلط يشلان حركة الرأي العام ويوقفان عجلة السياسة، ويضربان في الصميم الرفع من المساهمة والإدراك المدنيين لدى المواطن.
والرأي العام قوة سياسية أولا قبل أن يكون قوة دستورية، ولا يمكن أن ينص عليها أي دستور، مهما كانت لكنها موضوع الدستور وجوهره ومبتغاه.
إن الخلط أساسا هو المقابل الموضوعي للعزوف وللخروج من دائرة الفعل السياسي لدى الرأي العام.
إنه الشرط العملي لموت السياسة، ولا نعتقد بأن دستورا بمستوى الدستور المغربي ، يمكنه أن ينزل في واقع مريض سياسيا..
وختاما لا يمكن أن يكون مجال اختيارنا الوحيد هو سياسة لتعطيل الدستور أو دستور لتعطيل السياسة. لا بد لنا من الاثنين لكي نتقدم بخطى ثابتة نحو ما أعلنه ملك البلاد : مغرب الديموقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية.
جريدة الاتحاد الاشتراكي
معاريف بريس
www.maarifpress.com