في الحلقة السابقة كان الحديث عن قداسة وألوهية وربوبية الأنثى التي دامت ما يزيد على ألفي قرن، -قبل الديانات الرسولية الثلاث-وكان أول تساؤل هو عن دواعي هذا التقديس.
في رواية “ظل الأفعى” للمفكر والروائي يوسف زيدان أبان فيها ماهية الأنثى تاريخيا من التقديس إلى التدنيس فيدلي بقوله هذا:
“الحيض، الولادة، الاستدارة، والتعهد”. هذا العامل الأول، يرتبط بطبيعة الأنثى وجوهرها، العامل الثاني يرتبط بالوعي الفطري للإنسان: “ربط الدم بالحياة والتضحية والقرابين”
فتكون هذه هي دواعي تقديس الانثى وتأليهها، ومن المدهش أنها هي أيضا دوافع تدنيسها.
فكيف كان يُنظر الى الحيض قبل الديانات الرسولية الثلاث، بل وقبلها بقرون؟
كان الإنسان قديما في فجر وعيه بذاته وبمحيطه حسب هذا المفكر والروائي، يربط فكرة الوجود الحي بالدم، فالحي كان يعرف بجريان الدم فيه، حيوان كان أم انسان، فمادام يجري فيه الدم فهو حي، والموت هو فقدان الكائن الحي لهذا الدم، إذا فالدم سر الحياة ورمزه، والدم في الأنثى يفيض كل شهر وبانتظام.
هي هذه دهشة الإنسان من الأنثى، من الكائن المقدس، دهشة من كائن من دون الكائنات يفيض دماً كل شهر بانتظام، إلا في حالة الاستدارة الكبرى (الحمل) فالأنثى بهذا تمتلك سر الحياة ورمزها.
والإنسان في الحضارات الأولى كان يعتقد أن الدم هو السائل المقدس الذي يرقى على مذبح الآلهة. ولئن كانت الأنثى تريقه من باطنها بانتظام، كل شهر، فهي بطبيعتها مرتبطة دوما بهذا الفعل المقدس.
وكذلك كان فقدان الدم في الحروب والجهاد كما يقول الدكتور الكبير الداديسي: استشهادا، ودم الشهيد مقدس يطهّر صاحبه من كل الآثام والخطايا، فلم يكن الشهيد في حاجة لغسل أو كفن وكل ما يتعلق بطقوس طهارة الموتى ما دام دمه المسفوك قد طهّره، فيُدفن بثيابه ملطخا بدمائه، ونفس الفكرة تكررت في المسيحية فكان دم المسيح مطهًّرا للبشرية، ومخلّصا بتقديم دمه، ويظهر من كل الديانات السماوية أن الدم ارتبط بالقداسة.
ظل تقديس الدم بصفة عامة كامنا في الديانات الرسولية الثلاث، غير أنه انقلب إلى ضده في حالة تعلّق الأمر بالمرأة/ الأنثى ودنس حيض المرأة ليصبح الدم رمزا للنجاسة والقذارة بهدف هيمنة الإله الذكر على الربة الأنثى، وعادت تتأرجح المرأة بين حالتين الطهارة والنجاسة، وتُمنع من ممارسة الطقوس الدينة وهي حائض، ولا يجب حتى أن يقربها الرجل في هذه الحالة.
فكيف قارب كل من الإنجيل والتراث والقرآن هذا التدنيس بالظاهر؟
صفاء الحضري
معاريف بريس
www.maarifpress.com


