معاريف بريس – أخبار دولية
أثار التصريح الأخير لرئيس بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري، عاصفة واسعة من الجدل والنقاش السياسي والفكري، بعدما تطرق بشجاعة إلى أسئلة جوهرية يتحاشى الكثير من القادة والسياسيين في العالم الإسلامي والأفريقي الخوض فيها.
ففي الوقت الذي تعاني فيه المنطقة من أزمات ممتدة، خرج الرجل ليضع أصل الداء تحت المجهر عبر سؤال محوري مفاده: ما الذي تحتاجه دولنا اليوم للنهوض من عثرتها، أهو المزيد من الخطباء والدعاة أم المزيد من العلماء والمهندسين والأطباء؟
لقد كان هذا الطرح كفيلاً باستنفار التيارات الدينية والأيديولوجية التي اعتادت مصادرة أي نقاش حول إصلاح التعليم أو تحديد أدوار الدين في الفضاء العام باعتباره مساساً بالمقدسات، غير أن تراوري لم يتراجع، بل واصل تفكيك المعضلة مؤكداً أن البلدان العاجزة عن تصنيع احتياجاتها الأساسية لا يمكنها إغفال التنمية العلمية والتقنية لصالح تعزيز أدبيات تحول بعضها في كثير من الأحيان إلى بيئة خسيرة للاستقطاب والتطرف.
إن التحدي الحقيقي، كما تظهره هذه الرسائل الصريحة، يكمن في خطورة توظيف الدين لخدمة مشاريع سياسية وأيديولوجية عابرة للحدود، واستيراد صراعات وأجندات خارجية لا تقيم وزناً للمصالح الوطنية المباشرة للشعوب الإفريقية. ومن هنا تبرز الرسالة الموجهة لمختلف التيارات والحركات المتطرفة أو الحالمة بالوصول إلى السلطة تحت غطاء ديني، مفادها أن الدول الحديثة لا يمكن أن تدار بالفتاوى المتناقضة، بل تحكمها المؤسسات والقوانين والتنمية المستدامة. وعندما أعلن تراوري بوضوح استقلالية التشريع ومؤسسات الدولة المدنية، انفجرت موجات الهجوم والتخوين من الأطراف التي ترى في الدفاع عن الدولة الوطنية ومحاربة الجهل والبحث العلمي تهديداً لمكاسبها ونفوذها الفكري.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش سياسي عابر، بل هو صراع وجودي بين مشروعين؛ الأول يريد لإفريقيا أن تظل مجرد سوق مستهلكة للأفكار المستوردة والخطابات الجاهزة المستهلكة تاريخياً، بينما يسعى المشروع الثاني إلى جعل القارة منتجة للعلم والثروة والقوة التكنولوجية الذاتية.
ففي الوقت الذي ينفق فيه العالم مليارات الدولارات على الذكاء الاصطناعي، والعلوم الدقيقة، والصناعات المتقدمة، لا تزال بعض النخب تدور في حلقة مفرغة لإعادة إنتاج صراعات فكرية ومذهبية قديمة لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن القضية الأساسية لا تتعلق بأشخاص بقدر ما تتعلق بالبوصلة الحضارية: هل الأولوية لبناء المصانع، والمستشفيات، والمختبرات، وتوطين المعرفة، أم الاستمرار في استهلاك الشعارات التي لم تخرج أي شعب من فقر ولم تبنِ اقتصاداً قادراً على الصمود؟ إنها الحقيقة الصارمة التي لا يمكن الهروب منها؛ فالأمم لا تنهض بالخرافات وتخدير العقول، بل بالعلم النافع، والعمل الجاد، والإنتاج المادي والتكنولوجي المستمر.
معاريف بريس Htpps://marifpress.com