معاريف بريس – أخبار وطنية
طالعتنا مؤخراً خراجات إعلامية تتسم بقدر كبير من المظلومية المصطنعة والتباكي الدونكيشوتي، محاولةً تحويل مجرد ملاحقات قانونية وتجاوزات صريحة لأخلاقيات المهنة ومؤسسات الدولة إلى “ملحمة نضالية” تُصوَّر في قالب “اختطاف وإخفاء وتعذيب”.
إن قراءة متأنية في هذا النص الكاشف عن نفسه، تضعنا أمام نموذج صارخ لـ تسييس الصحافة، وتحويل الممارسة الإعلامية من بحث موثوق عن الحقيقة إلى أداة للتشهير وتصفية الحسابات وضرب مؤسسات الدولة باسم “حرية التعبير”.
أولاً: المساس بمؤسسات الدولة ليس “رأياً صحفياً”
إن الادعاء بأن المحاكمة أو التوقيف دار حول مجرد “معلومات صحفية” هو تزييف صريح للواقع. عندما يتم استهداف شرف المؤسسات والأفراد عبر إطلاق أوصاف ومصطلحات مسيئة من قبيل وصف الوطن بـ “الزريبة”، أو اختزال مؤسسات أمنية وسادية في شماعات ما يُسمى “البنية السرية”، فإننا لا نتحدث هنا عن نقد سياسي أو استقصاء إعلامي، بل عن قذف صريح وتشهير واستخفاف بمفهوم الدولة والمواطنة.
الصحافة الكونية التي يتشدق بها البعض لا تعني مطلقاً منح صاحب القلم “حصانة مطلقاً” لشتم الهيئات الوطنية أو التطاول على رموزها، فالقانون الجنائي وقوانين الصحافة في كافة أرجاء العالم تجرم التشهير والمساس بالنظام العام.
ثانياً: تناقضات الرواية وتهافت “المظلومية”
يعمد النص إلى حبكة سينمائية متضاربة كعادة خطاب “المظلومية”؛ فتارة يزعم التشهير والاعتداء و”المسرح العبثي”، وتارة أخرى يعترف صراحةً بـ:
أنه حُظي بـ “معاملة سليمة” طيلة فترة الاستماع إليه لدى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية (وهي الأجهزة التي يُكيل لها التهم في باقي النص!).
أن الملف أُحيط بضمانات ومساطر إدارية وقضائية، وهو ما ينفي تلقائياً أسطورة “الاختفاء والسرية المطلقة”.
إن هذه التناقضات الفاضحة تتكشف بمجرد إسقاط مساحيق التهويل؛ حيث يتم تضخيم الإجراءات الأمنية الروتينية الشديدة الانضباط للترويج لصور الضحية وتأليب الرأي العام ومخاطبة أطراف خارجية عبر “اللغات اللاتينية”.
ثالثاً: العزف على نغمة “المخزن” و”الشرطة”
يمارس الكاتب لعبة قديمة متجددة: الإسقاط الشخصي على أسماء وقامات أمنية وسياسية وازنة (من قبيل مستشاري جلالة الملك وقيادات المؤسسات الأمنية والمالية)، متوهماً أن إقحام هذه الأسماء سيعطيه حجماً أكبر من حجمه الحقيقي.
إن الادعاء بوجود شخصيات تُحرّك الملفات من “فوق” دون تقديم دليل مادي واحد بخلاف “سمعتُ مفتشاً يسأل رئيسه”، يندرج ضمن خانة الشائعات وسيناريوهات المؤامرة التي أفلست إعلامياً ولم تعد تنخدع بها الجماهير الواعية.
القلم أمانة وليس خنجراً
إن الخطورة الكبرى في مثل هذه الخرجات لا تكمن في الدفاع عن النفس —فهو حق مكفول للجميع أمام القضاء وليس على صفحات التواصل— بل تكمن في استمرار مكابرة القائل وركوبه رأس التحدي عبر شعارات من قبيل “لن أغير نهجي”.
إن النهج الذي يستوجب التغيير هو نهج التشهير والتحامل وتسخير الصحافة لخدمة أجندات التجميع والتحريض. إن الدولة المغربية بمؤسساتها وقضائها وأجهزتها الأمنية أسمى وأكبر من أن تُبتزّ بمقالات التهويل ومظلوميات “الزنزانة”، والحرية الحقيقية تستوجب أولاً وقبل كل شيء المسؤولية والاحترام لسيادة القانون.
وننقل لكم ما نشره على لمرابط في لوحته على الأزرق:
لأنني أستحيل عليّ أن أردّ على كل واحدة وكل واحد منكم، أتوجه بخالص الشكر والامتنان إلى جميع من ساندوني، أو عبّروا عن قلقهم على وضعي، أو اهتموا بما آلت إليه أحوالي.
لقد تأثرت كثيرًا بمقالاتكم ورسائلكم واتصالاتكم ومظاهر التضامن التي أحطتموني بها، لا سيما أنني، وأنا داخل الزنزانة، كنت معزولًا تمامًا ولا أعلم شيئًا عمّا كان يجري في الخارج.
وسأعود لاحقًا، بمزيد من التفصيل، إلى ظروف هذا الاحتجاز غير القانوني وإلى الطريقة التي نُفِّذ بها.
وسأتحدث كذلك عن تزوير أول محضر للشرطة حُرِّر في مطار طنجة، والذي كان يقضي، بعد توقيفي ووفقًا لما ينص عليه القانون، بتسليمي إلى الشرطة القضائية بمدينة طنجة.
لقد حُرِّر ذلك المحضر بالفعل، وكنت حاضرًا طوال إجراءات تحريره. وقد نُقلت رسميًا، تحت الحراسة، إلى الشرطة القضائية بطنجة، غير أن مدير شرطة المطار أمر، أثناء الطريق ودون أي مبرر، بإعادتي إلى المطار.
وفي مكتب ذلك المسؤول الأمني، سمعت المفتش الذي حرّر محضر التسليم إلى الشرطة القضائية بطنجة يسأل رئيسه عمّا ينبغي فعله بذلك المحضر، فأجابه قائلاً: «هذا قرار جاء من فوق!»
بعد ذلك اختفى ذلك المحضر تمامًا ولم يعد ضمن ملفي.
ثم جرى تسليمي، في سرية تكاد تكون تامة، في مكان معزول بعيد عن مدخل المطار، إلى سبعة رجال مسلحين لم يعرّف أيٌّ منهم بنفسه. وقد اعتدوا عليّ بالضرب قبل أن يلقوا بي داخل شاحنة صغيرة لا تحمل أي علامة تعريف، وكانت خالية من المقاعد ومن لوحة تسجيل.
وقطعت مسافة 350 كيلومترًا الفاصلة بين طنجة والدار البيضاء في ظروف مهينة وغير إنسانية. وطوال الرحلة تعرضت للاعتداء الجسدي، كما مُنعت من استعمال المرحاض. ولم يُسمح لي إلا مرة واحدة بالتبول، وكان ذلك في زجاجة بلاستيكية قُطعت إلى نصفين.
وعند وصولي إلى الدار البيضاء، أُودعت زنزانة تابعة للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، حيث بقيت مدة اثنتين وسبعين ساعة، وقد تمت معاملتي هناك معاملة سليمة.
وخلال الاستماع إليّ، لم تُوجَّه إليّ أي تهمة تتعلق بالسب أو القذف أو المساس بشرف أي شخص، ولا بالتآمر أو ارتكاب جريمة أو اختلاس أو أي مخالفة مماثلة، بالمعنى المتعارف عليه في قوانين الصحافة المعمول بها في مختلف أنحاء العالم.
وعلى امتداد نحو سبعمائة صفحة من ملف الاتهام، تمحورت القضية برمتها حول ما أسميه «البنية السرية»، أي تلك الدولة العميقة التي تدير المغرب من وراء الستار، والتي كنتُ أنا نفسي أحد ضحاياها في طنجة، وكذلك حول طريقة اشتغال الدولة وآليات عملها.
وبشكل عملي، فإن ما أُخذ عليّ هو أن المعلومات التي نشرتها، والتي اعترفت النيابة العامة بعين السبع بنفسها، في بلاغ رسمي، بطابعها الصحفي، اعتُبرت «معلومات كاذبة»، وأنها ألحقت الضرر بـ«أشخاص» تبيّن أنهم مسؤولون كبار داخل المخزن.
وأكتفي بثلاثة أمثلة:
إن القول إن اثنين من أعلى المسؤولين الأمنيين في المغرب، وهما المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة والمدير العام الذي يشرف على معظم الأجهزة الشرطية في المملكة عبد اللطيف حموشي، ينتميان إلى «البنية السرية»، اعتُبر «قذفًا».
وإن القول إن المغرب عبارة عن «زريبة»، أي مزرعة تُدار بمنطق الضيعة، اعتُبر مساسًا بالدولة.
وإن القول إن المسؤول عن المالية العمومية في المملكة، فوزي لقجع، يخصص اعتمادات مالية للمديرية العامة للأمن الوطني أكثر مما يخصصه لهيئات أخرى تابعة للدولة، استنادًا إلى وثائق محاسبية رسمية ومتاحة للجميع، اعتُبر هو الآخر «قذفًا».
إنه، بكل بساطة، مسرح عبثي هزلي.
وأود أن أوضح أن الجهة الوحيدة التي تقدمت بشكوى ضدي، وأصدرت في حقي عددًا هائلًا من مذكرات التوقيف ــ أكثر من ثلاثين مذكرة! ــ هي النيابة العامة للمملكة المغربية.
أما جميع الشخصيات التي وردت أسماؤها، فلم يتقدم أي منها بأي شكوى ضدي.
وأنا الآن بصدد إنهاء بعض الإجراءات الإدارية التي كانت أصلًا سبب سفري إلى المغرب. وما إن أنتهي منها، حتى أعود إليكم لأروي، بالتفصيل، وبالدارجة أيضًا إلى جانب إحدى اللغات اللاتينية، تفاصيل هذه المهزلة العبثية المتعممة.
غير أن أمرًا واحدًا يبقى ثابتًا: هذه المحنة الجديدة، التي تعكس ضيق نظام لا يحتمل أن يُواجَه أو أن تُكشف أساليب عمله وممارساته، لن تدفعني إلى تغيير نهجي.
بل على العكس، فقد زادتني اقتناعًا بأن عملي أصبح اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى، وأنه لا بد من مواصلة التحقيق، والإخبار، والشهادة، في احترام دائم للمبادئ الكونية المتعارف عليها في مهنة الصحافة.
لن أغيّر نهجي.
إلى لقاء قريب، وشكرًا لكم جميعًا، مرة أخرى، من أعماق القلب.
علي لمرابط على لوحته بالفايسبوك
أبو ميسون
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com