صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

الحسن الثاني وأحمد سيكو توري: قصة تحالف استثنائي صاغه الكبار ورعاه الملك محمد السادس

معاريف بريس – أخبار دولية

 

تميزت العلاقات التاريخية بين الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الغيني الراحل أحمد سيكو توري بأنها واحدة من أكثر العلاقات السياسية عمقاً في القارة الإفريقية؛ إذ تحولت من تناقض أيديولوجي ظاهر في البدايات إلى تحالف استراتيجي وصداقة إنسانية وثيقة تجاوزت حدود الزمن.

السفير المغربي يحضر مراسيم توديع جثمان زوجة الراحل أحمد السيكوتيري
السفير المغربي يحضر مراسيم توديع جثمان زوجة الراحل أحمد السيكوتيري

 

في ستينيات القرن الماضي، كان المشهد السياسي الإفريقي منقسماً بوضوح. على جهة، يقف الملك الحسن الثاني؛ القائد المحافظ، ذو التكوين القانوني الغربي والرؤية الدبلوماسية الواقعية المتوازنة.

وعلى الجهة الأخرى، يقف الرئيس أحمد سيكو توري؛ الزعيم الثوري الراديكالي، وأول رئيس لغينيا كوناكري، الذي اختار الاشتراكية والنضال الإفريقي الحاد ضد الاستعمار.

السفير المغربي يحضر مراسيم توديع جثمان زوجة الراحل أحمد السيكوتيري
السفير المغربي يحضر مراسيم توديع جثمان زوجة الراحل أحمد السيكوتيري

 

رغم هذا التباين الشديد في المرجعية السياسية، استطاع الرجلان بناء جسر متين من الاحترام المتبادل، حوّل العلاقات المغربية الغينية إلى نموذج يُحتذى به في التعاون الإفريقي المشترك.

و بدأت خيوط التقارب تتضح أكثر مع تطور قضايا القارة السمراء، وتحديداً بعد منتصف السبعينيات. وجد الملك الحسن الثاني في سيكو توري زعيماً يمتلك كاريزما قوية وتأثيراً هائلاً على معسكر “الدول التقدمية” في إفريقيا.

وبالمقابل، رأى سيكو توري في ملك المغرب حكمة ديبلوماسية وعمقاً روحياً وتاريخياً لا يمكن الاستغناء عنه لخدمة مصالح القارة.

برز هذا التلاقي في موقف غينيا الحاسم من قضية الصحراء المغربية؛ فبفضل العلاقات المتينة مع الرباط، أصبحت غينيا كوناكري في عهد سيكو توري من أشد المدافعين عن الوحدة الترابية للمغرب داخل أروقة منظمة الوحدة الإفريقية.

و لم تكن السياسة والمصالح الجيوسياسية وحدها ما يربط القائدين، بل كان هناك بعد روحي عميق. فقد كان الرئيس سيكو توري يعتز بالروابط الإسلامية التي تجمع بلاده بالمغرب، وبدور السلاطين المغاربة عبر التاريخ في نشر الإسلام في غرب إفريقيا.

و تجسد هذا التقدير المشترك في هندسة العمل الإسلامي المشترك ودعم تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي، فضلاً عن الدعم المغربي الموصول لغينيا في مجالات بناء المساجد والتعليم الديني، مستنداً إلى مكانة إمارة المؤمنين والروابط الصوفية التي تجمع الشعبين.

و لعل أصدق تعبير عن عمق هذه العلاقة أنه لم يتوقف عند الحدود البروتوكولية، بل تجلى في أبهى صور الوفاء الإنساني. فعندما توفي الرئيس أحمد سيكو توري عام 1984، حزن الملك الحسن الثاني حزناً شديداً، وامتد هذا العطف ليشمل أسرته التي حظيت بالرعاية الكريمة والإقامة في المملكة المغربية.

ولم تتوقف هذه العلاقة الاستثنائية برحيلهما، بل ظلت حية وعميقة في الوجدان المغربي-الغيني، أكدتها العناية الموصولة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله؛ حيث أحاط جلالته أرملة الراحل أحمد سيكو توري (أندريه توري) بعناية ورعاية ملكية خاصة حتى وافتها المنية بالمستشفى العسكري بالرباط، يوم 8 يوليوز 2026.

وبتعليمات ملكية سامية، نُقل جثمانها على متن طائرة خاصة إلى موطنها غينيا كوناكري، حيث أُقيمت عليها صلاة الجنازة في مسجد محمد السادس بالعاصمة كوناكري، بحضور شخصيات وازنة تقدمها سفير جلالة الملك وأعضاء السفارة المغربية، في مشهد يجسد عمق أواصر الأخوة والوفاء المتجذر بين العرش العلوي المجيد وغينيا كوناكري.

إن العلاقة بين الرباط وكوناكري لم تكن مجرد تقاطع مصالح عابر، بل صاغها الراحلان الحسن الثاني وأحمد سيكو توري بحكمة ورؤية استراتيجية، وواصل رعايتها جلالة الملك محمد السادس بنبل ووفاء، لتظل شاهداً حياً على عمق التعاون والروابط الإنسانية والروحية في القارة الإفريقية.

ف.الرفاعي

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads