السيادة الإعلامية والقوة الناعمة: نحو صرح إعلامي أفريقي من قلب الرباط
معاريف بريس – آراء ومواقف
في الوقت الذي تعيد فيه المملكة المغربية رسم ملامح الجيوسياسة القارية عبر مبادرات استراتيجية رائدة، من قبيل “المبادرة الأطلسية” لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه كأولوية على أجندة القوة الناعمة للمملكة:
ألم يحن الوقت بعدُ لكسر احتكار الصورة والخبر عن أفريقيا، وإطلاق قناة تلفزيونية قارية تتخذ من الرباط مقراً ومن الحقيقة الأفريقية منهجاً؟ .

المستشار الملكي السيد فؤاد عالي الهمة
إن حاجة القارة اليوم تتجاوز مجرد نقل الخبر إلى ضرورة صياغة السردية، خاصة وأن الشعوب الأفريقية وضمنها شعوب منطقة الساحل والصحراء، ظلت لعقود تستهلك واقعها عبر عدسات غريبة ووكالات أنباء دولية غالباً ما تحصر القارة في قوالب نمطية ضيقة؛ لذا فإن إحداث قناة أفريقية بمواصفات عالمية في الرباط، يعمل بها صحافيون مغاربة وجنباً إلى جنب مع أشقائهم من مالي والنيجر، وبوركينا فاسو، والسنغال، وغيرها، ليس مجرد مشروع إعلامي عابر، بل هو فعل تحرري بامتياز يمنح القارة حق رواية قصتها بلسان أبنائها.
لقد أثبت المغرب، تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، أن علاقته بعمقه الأفريقي تتجاوز المنطق البراغماتي الضيق إلى أفق الأخوة الصادقة والوفاء للمصير المشترك، وهذه المصداقية هي رأس المال الرمزي الذي يؤهل العاصمة الرباط لتكون مركز إشعاع إعلامي قاري بامتياز، حيث تلتقي الكفاءات الصحافية في بيئة مهنية تحتفي بالتنوع الثقافي، واللغوي وتثمن المكتسبات التنموية المحققة على الأرض.
إن القناة المقترحة يجب أن تكون الجسر الوجداني الذي يكمل الجسور المادية، من طرق وأنابيب غاز، فبناء الوعي المشترك، لا يقل أهمية عن بناء البنية التحتية، ووجود صحافي من دول الساحل في استوديو واحد بالرباط لمخاطبة جمهور يمتد من طنجة إلى لاغوس هو التجسيد الأسمى لمفهوم “تمغربيت” المنفتحة على جذورها، والرد الأمثل على محاولات التشويش التي تستهدف وحدة المصير.
إننا نعيش اليوم عصر السيادة الرقمية والمعلوماتية، والرهان الحقيقي يكمن في بناء منصة عابرة للحدود قادرة على مواكبة التحولات الكبرى في الساحل وأفريقيا الأطلسية، وتقديم بديل إعلامي مهني يتصدى للأخبار الزائفة ويزرع الأمل في الأجيال الصاعدة. إن استثمار المغرب في هذا الصرح الإعلامي، هو استثمار في المستقبل وتثمين لعلاقات تاريخية عميقة، توجت باعترافات دولية رفيعة للأطر المغربية، كحصول السيد فؤاد عالي الهمة على وسام الاستحقاق الوطني من درجة ضابط كبير من دولة مالي، وهو ما يعكس حجم التقدير والمصداقية التي يتمتع بها المغرب في عمقه القاري.
لقد آن الأوان لتخرج “صوت أفريقيا” من الرباط، قوية وصادقة وبأيدي أبنائها، لتعلن للعالم أن القارة السمراء لم تعد مجرد سوق للخبر، بل هي صانعة للحدث وسيدة لمستقبلها الإعلامي بقرار سيادي وطموح لا يحده سقف.
بقلم: فتح الله الرفاعي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com