معاريف بريس – إراء ومواقف
إن المتأمل في المشهد السياسي المغربي الراهن، وتحديداً في تجربة تسيير الحواضر الكبرى كالرباط والدار البيضاء، يجد نفسه أمام مفارقة صارخة؛ فبينما يتم تسويق وصول المرأة لكرسي العمودية كفتح ديمقراطي وانتصار للمناصفة، تكشف الممارسة الميدانية عن واقع مغاير تماماً يتسم باستنزاف الزمن التنموي وهدر الفرص التاريخية للمدن.
إن ما حدث في مدينة الرباط مع تجربة أسماء غلالو لم يكن مجرد كبوة تدبيرية عابرة، بل كان تجسيداً حياً لنتائج التعيينات “المقنّعة” التي تتم في ردهات المكاتب السياسية للأحزاب، وتحديداً حزب التجمع الوطني للأحرار، بعيداً عن منطق الكفاءة أو البرنامج التعاقدي مع الساكنة.
لقد تحولت العاصمة إلى ساحة لتصفية الحسابات الضيقة ولـ “بلوكاج” سياسي لم يتوقف إلا برحيل العمدة، ليتم تعويضها بزميلة لها من نفس الحزب في عملية “تدوير” تفتقر لأدنى مستويات التنافسية الديمقراطية، وكأن المنصب أضحى أصلاً تجارياً مملوكاً للحزب لا حق للمواطن في مساءلة جدواه.
هذا السيناريو يتكرر بشكل أو بآخر في الدار البيضاء، حيث تبدو العمدة نبيلة الرميلي محاصرة بين إكراهات مدينة مليونية وبين منطق “التحالف الثلاثي” الذي أتى بها كجزء من صفقة شمولية لتقاسم النفوذ الترابي.
إن الإشكالية لا تكمن في “جنس” المسير، بل في “آلية” وصوله؛ فحين يتم القفز على صناديق الاقتراع الحرة لفائدة توافقات “فوقية”، تصبح العمدة مجرد منفذ لأجندة مركزية، وتفقد استقلاليتها في اتخاذ القرارات التي تهم الساكنة.
هذا الوضع أدى عملياً إلى ضرب جوهر المساواة، لأن تمكين المرأة لا يعني تحويلها إلى “درع سياسي” لتمرير صفقات حزبية أو “واجهة” لتجميل واقع استبدادي محلي.
إن استهلاك الزمن في صراعات الشرعية والولاءات الحزبية، واستبدال الوجوه النسائية بأخرى من نفس الدائرة المغلقة، يكرس الانطباع , بأن التدبير الترابي في المغرب ، لا يزال بعيداً عن النزاهة الديمقراطية، وأنه يخضع لمنطق “الكوتا” الحزبية التي تعتبر المدن مجرد غنائم انتخابية، مما يفرغ مفهوم الانتخابات الترابية من محتواه الدستوري، ويجعل من شعارات المساواة مجرد أدوات للاستهلاك الإعلامي وتضليل الرأي العام.
بناءً على ما سبق، لا يستقيم إصلاح المسار التنموي للمدن الكبرى دون إحداث قطيعة قانونية وممارسة سياسية جريئة، تفك الارتباط العضوي بين “كرسي العمودية” وبين “مزاجية الزعيم الحزبي”.
إن الحل يكمن بالدرجة الأولى في تعديل القوانين التنظيمية للجماعات الترابية لتعزيز استقلالية الآمر بالصرف، ووضع معايير صارمة للأهلية التدبيرية تتجاوز مجرد التزكية الحزبية العابرة.
كما أن تكريس “الديمقراطية المحلية” يقتضي إعطاء الأولوية للبرامج التعاقدية المصوت عليها من طرف المواطنين، لا للتحالفات الهشة التي تُطبخ في الغرف المغلقة، وتجعل من العمدة – رجلاً كان أو امرأة – مجرد موظف لدى الحزب.
إن المساواة الحقيقية هي التي تضع الكفاءة والنزاهة فوق كل اعتبار، وتجعل من “العمودية” مسؤولية أخلاقية وسياسية أمام الساكنة مباشرة، وليس مجرد تمثيلية “جنسية” أو “حزبية” تستهلك الزمن وتجهض أحلام التنمية في مدن لا تملك ترف الانتظار.
ولتحقيق هذا يتطلب:
• تشريعياً: مراجعة القانون التنظيمي 113.14 لتقييد سلطة الأحزاب في عزل أو استبدال العمد خارج إطار المحاسبة الانتخابية المباشرة.
• سياسياً: دعوة الأحزاب لاعتماد مساطر ديمقراطية داخلية في اختيار مرشحي العمودية بناءً على السير الذاتية والمشاريع التنموية.
• حقوقياً: تفعيل دور هيئات المساواة وتكافؤ الفرص لمراقبة مدى استقلالية القرار النسائي في التدبير المحلي بعيداً عن الوصاية الذكورية الحزبية.
معاريف بريس htppse:://maarigpress.com