معاريف بريس – آراء ومواقف
تحليل: ابو ميسون
بينما تنشغل الصالونات السياسية في الرباط وسلا بتبعات خبر “هجرة” إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، من بيت “السنبلة” إلى رحاب “الميزان”، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على طاولة النقاش: هل يحسب السنتيسي خطواته بميزان الربح والخسارة، أم أنه بصدد السقوط في فخ “الترحال” الذي ابتلع قيادات حركية وازنة قبله؟
التاريخ السياسي القريب لحزب الحركة الشعبية منذ الرئيس المؤسس المحجوبي أحرضان، إلى الأمين العام الحالي محمد والزين، حافل بأسماء وازنة، ظنت يوماً أن بريقها الشخصي وثقلها الانتخابي يكفيان للاستغناء عن “السنبلة”.
هؤلاء القادة، الذين اختاروا “الترحال السياسي” بحثاً عن آفاق أرحب في أحزاب أخرى، وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام واقع مرير.
لقد تحولوا من “أعمدة” داخل حزبهم الأصلي إلى “رقم زائد” في أحزابهم الجديدة، والنتيجة كانت قاسية: “التيه في الشارع السياسي”. فمنهم من فقد بوصلته التنظيمية، ومنهم من وجد نفسه في مواجهة “فيتو” التزكية داخل البيوت السياسية الجديدة التي دخلها وافدا، ليخرج منها “غريباً” يبحث عن موطئ قدم في اللوائح الانتخابية.
إن انتقال قيادي بحجم السنتيسي إلى حزب الاستقلال ليس نزهة سياسية. فحزب “الميزان” مدرسة عريقة لها “حرسها القديم” وطموحات شبابها، والحصول على تزكية برلمانية داخل هذا الحزب ليس بالأمر الهين، حتى لمن يمتلكون خزانًا انتخابيًا في سلا.
المخاطرة هنا تكمن في أن السنتيسي قد يغادر موقع “الرجل الأول” والمؤثر في الحركة الشعبية، ليجد نفسه يخوض معارك “داخلية” طاحنة داخل حزب الاستقلال لإثبات أحقيته بالتصدر، وهي معارك غالباً ما استنزفت من سبقوه وجعلتهم “خارج التغطية” البرلمانية في أول استحقاق.
وهنا يطرح احتمال آخر، أمام صمت وعدم إصدار ادريس السنتيسي بلاغا في الموضوع ، ينفي او يؤكد من خلاله ، مغادرته سفينة الحركة الشعبية ، ام ان هذه التسريبات هي في الواقع “ضربة استباقية” من خصوم السنتيسي لإحراقه سياسياً؟
إنه وضع صعب في معادلة التشويش السياسي ، والتشويش على الفريق البرلماني الذي هو نفسه – السنتيسي- يرأس فريقه النيابي، بمواقف غير رصينة بين المغادرة، والتشبث بتوجيه اسئلة في جلسات عمومية بمجلس النواب، وعدم حضور أغلبية الفريق النيابي لاجتماعاته ، لانه وضع نفسه في خانة “المغادرين”، أم أنه يطمح لقيادة الحركة الشعبية، مثلما يسجل التاريخ الحركي، في عهد الراحل بوعزة يكن، والراحل الزروالي، ومحب مبدع القابع بالسجن ، والقائمة طويلة.
وهو ما يجعلنا اليوم نحلل وقائع تبدو إلى حدود الساعة، ترويض او ابتزاز سياسي للحركة الشعبية، عبر محاولات ادريس السنتيسي الذي إلى حدود الساعة يلتزم الصمت خوفا او خشية فقدانه كرسيه البرلماني، لان المغادرة يجب ان تحسم بالربح والخسارة للبرلماني الذي يفترض فيها الالتزام بالأخلاق السياسية، والتزام بالمهمة البرلمانية باعتباره صوت الشعب داخل قبة البرلمان، أم أن الهدف، هذا ان كان هدفه حقا مغادرة الحركة الشعبية، في اتجاه حزب الطريس، وإلا سيحسب له في معركة الراحل المحجوبي أحرضان، هدف زعزعة ثقة القواعد الحركية في قيادتها البرلمانية، قبل نهاية الولاية التشريعية.
إدريس السنتيسي، السياسي المحنك وعمدة سلا السابق، يدرك جيداً أن “الرمز الحزبي” (السنبلة) كان دائماً جزءاً من هويته الانتخابية. والرهان على تغيير الجلد السياسي في وقت حساس قد يكون “مقامرة” غير مأمونة العواقب.
ادريس السنتيسي ، عليه أن يعلم ، إن المشهد السياسي المغربي لا يرحم “الراحلين” الذين يغادرون بيوتهم في لحظات التحول. وإذا كان السنتيسي يفكر فعلاً في تغيير الوجهة، فعليه أن يقرأ جيداً سيرة، أولئك الذين سبقوه إلى “الشارع السياسي” ولم يجدوا من يمنحهم “تزكية” العبور، فصاروا أرقاماً في أرشيف السياسة بعد أن كانوا صناع قرارها.
فهل يختار السنتيسي الثبات داخل “السنبلة” لترميم البيت، أم يخاطر بدخول “الميزان” مع احتمال فقدان التوازن؟
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


