معاريف بريس – آراء ومواقف
تؤكد فلسفة الإعلام على تحقيق مبدأ الحيادية والمهنية في صناعة محتواه. ليوفر للمتلقي فرصة التعاطي مع حقيقة الأحداث والقصص الخبرية والصور المنقولة عنها بمسؤولية وحيادية تامة.

هذا المفصل الحيوي في جسد المهنية الإعلامية ضرب بالصميم، بعد أن أدركت الدوائر التخريبية قيمة وقدرة الإعلام وإمكانية تجريده من رسالته التنويرية, وجعله وسيلة وأداة ضاربة في الحروب الناعمة. أصبحت من خلاله تستطيع أن تفرض وتملي ونمط مخرجاته وفق أجندتها وأفكارها وتوجهاتها. فصارت تستثمره كأحد أسلحتها الفتاكة في التشويه والتظليل للحقائق، والتحريض ضد الشعوب وخلخلة قيمها ومصادرة هوياتها الوطنية، متجاوزة بذاك كل معاييره المهنية المسؤولة.

فصار القارئ والمشاهد العربي يتلقى عبر مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وعبر منصات التواصل الاجتماعي ضخا إعلاميا كاذبا ومشوشا عن حقيقة ما يجري من أحداث على أرض الواقع في محيط دولنا, وما تواجهه أمتنا وشعوبنا من تشوهات وتزييف وتنميط للصورة المغلوطة, والتهويل لحجم المنقول من مصادر مفبركة ومضللة عن الأحداث. يقابله ضخ كم هائل من معلومات التسفيه والتسطيح للوعي وضرب للقيم والثوابت. أمام تغييب متعمد لتحصيل واستقصاء المعلومة من مصادرها الحقيقية, وباتت تمارس وظيفة فبركة وصناعة أخبار وأحداث عبر أشخاص ودوائر لا تعيش على أرض دولنا، بل تتخفى خلف الكيبورد من مسافات بعيدة.
فما ينشر باسم صفحات وواجهات إعلامية إلكترونية عن أي بلد عربي يجرى إعداده في بلدان أخرى وعبر كوادر لا علاقة لها بالمهنية الإعلامية بل يتوقف تشغيلهم على صناعة أخبار مضللة ومشوهة ومغلوطة ويتم تسويقها بمنهجية منتظمة لتصل إلى أكبر عدد من المتلقين، الذين يبادرون إلى مناقلتها ونشرها لتبدوا وكأنها حقائق ثابتة ومسلم بها وتفرض واقعا موهوما …
على مدى أيام، أنا ومجموعة من الإعلاميين والأكاديميين والمثقفين والفنانين العرب نتواجد في أرض ليبيا للمشاركة بتظاهرة إعلامية في عاصمتها طرابلس سرعان ما يسال أحدنا الآخر كيف هي الأوضاع في بلدك!؟ ولا أحد منا لم يسل زميلا له عن حال بلد الآخر؟!
رغم ان الجميع يعمل في منظومة الوعي المعرفي، سواء كان اعلاميا او اكاديميا او مثقف او فنانا، ومن المفترض ان تكون لديهم الدراية التامة عن اوضاع دول اشقائهم، لكن هذا السؤال المتبادل يكشف عن حجم الصورة المعتمة والسوداء التي يوفرها كذب ونفاق اعلامنا العربي بمختلف وسائله وقوالبه, التي تكون عمياء وتدير ظهرها عن الصفحات والاحداث المشرقة, ولا تنقل الا الصور السوداء والمشوهة والمظللة عاكسة لاجندات اصحابها ومن يقف خلف تمويلها!
نفاق وكذب هذا الخطاب الاعلامي يدلل على عدم وجود للحيادية والمهنية في جسد منظومة الاعلام العربي وكل ما ينشر ويسوق هو محض كذب وافتراء. باستثناء بعض الرسائل والكتابات الصادقة والمهنية، لكنها تبقى يتيمة لا تستطيع مجابهة منظومة إعلامية ضخمة تتوفر لها كل وسائل الدعم المالي والتقني لتفرض هيمنتها وسطوتها على تنميط الوعي الجمعي للمتلقي.

في أرض ليبيا كما في كل أجواء بلداننا العربية التي نزورها، نلحظ ونعيش الصورة الحقيقية عن واقعها بعيدا عن حجم التظليل الذي ينمط فيه الإعلام الأصفر واقعها، وينقل عنها صور وحقائق مشوهة، الأمر الذي يحتم على النخب الواعية من الإعلاميين المهنيين والأكاديميين والمثقفين الصادقين تحمل مسؤولية أن يكونوا سفراء ورسلا صادقين لنقل الصور الحقيقة عما يرونه بام أعينهم ويساهمون بمليء المساحة الحقيقية المغيبة عن المشهد الإعلامي.
فوجود غصن مكسور وغراب أسود لا يلغي قيمة ومساحة خضرة الحقل الواسع والمزدان بالزهور المتعددة والطيور المحلقة فيه على مختلف أشكالها وألوانها.
د.خليل الطيار
معاريف بريس http://Htpps://maarifpress.com

