على وقع اتهامات متبادلة بين الخصوم السياسيين بالتورط في قضايا فساد، أمضت بنما سنة 2017، التي بات فيها البنميون يتطلعون أكثر لتنافس سياسي “نظيف” يراعي مصالحهم، ولاقتصاد يحسن أحوالهم المعيشية ويسعدهم فعلا، مثلما فعلت ذلك كرة القدم التي أهدتهم فرحة غير مسبوقة بتأهل منتخب بلادهم للمرة الأولى في تاريخه الى نهائيات كأس العالم.
فالرئيس البنمي السابق، ريكاردو مارتينيلي (2009-2014) الذي غادر البلاد قبل نحو ثلاث سنوات للقيام بجولة للتنديد بالاضطهاد السياسي الذي زعم أنه كان ضحية له في بلاده، قبل أن يستقر بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث انطلقت متابعته قضائيا من قبل سلطات بلاده بتهم تتعلق بالفساد والتجسس على معارضيه السياسيين خلال السنتين الأخيرتين من حكمه، جدد، في أكثر من مناسبة خلال السنة الجارية، اتهاماته للحكومة الحالية بالفساد.
مارتينيلي، المعتقل منذ 12 يونيو الماضي بأحد السجون الفيدرالية بولاية فلوريدا بانتظار تسليمه إلى سلطات بلاده، رد عبر دفاعه قبل نحو شهرين على اتهامات الفساد الموجهة له وقال إنها تأتي “لدوافع سياسية” من نائبه ووزير خارجيته السابق، الرئيس الحالي خوان كارلوس فاريلا، واتهم بدوره الأخير بالفساد.
وعلى صعيد آخر، لم تبق بنما بمعزل عن ريح الفساد المنبعثة من شركة “أودبريشت” البرازيلية العملاقة للبناء، التي تورطت في فضائح رشاوى عبر بلدان مختلفة من العالم مقابل الظفر بصفقات مشاريع ، حيث وقعت الحكومة البنمية، في غشت الماضي، اتفاقا تعاون قضائي مع الشركة، يشمل دفع الأخيرة تعويضا بملايين الدولارات للدولة ومد السلطات بكافة المعلومات المتعلقة بالمتورطين البنميين في هذه الفضيحة.
ولم تسلم حكومة الرئيس فاريلا من الانتقادات داخليا إزاء طريقة تعاطيها مع ملفات الفساد المرتبطة بـ”أودبريشت”، لاسيما بعد إقرار إحدى المحاكم المحلية لاتفاق، هو الأول من نوعه، بين النيابة العامة وأحد المتهمين في القضية يدفع بموجبه الأخير تعويضا للدولة البنمية وكفالة لتفادي عقوبة سجنية وطي ملف متابعته.
فقد اتهم المحامي والمرشح المحتمل لرئاسيات 2019، إرنيسطو سيدينيو، السلطات، بعد هذا الاتفاق، بمحاولة “إخفاء الحقيقة” وعدم “تمكين الشعب من معرفة كافة المتورطين في هذه الفضيحة”، متسائلا عن “الرسالة” التي تود السلطات بعثها بمثل هذه التسويات مع المتورطين بدل وضعهم خلف القضبان.
من جهته، وصف وزير الاقتصاد والمالية السابق، فرانك دي ليما، المعتقل احتياطيا إلى جانب وزير الأشغال العمومية السابق، خايمي فورد، على خلفية التحقيقات الجارية في تورطهما في فضحية رشاوى “اودبريشت”، الإفادات المقدمة من الشركة في إطار تعاونها القضائي مع السلطات البنمية بأنها “متلاعب بها” وتشوبها الكثير من الخروقات والعيوب القانونية.
أما المتهم الآخر في فضيحة “اودبريشت”، رامون فونسيكا، الوزير المستشار السابق للرئيس فاريلا، فلم يفوت بدوره الفرصة في أكثر من مناسبة خلال السنة الجارية لتجديد اتهاماته لفاريلا نفسه بتلقي “تبرعات” من الشركة البرازيلية خلال حملته الرئاسية. ادعاءات سبق للرئيس أن نفاها وأكد أن التبرعات كانت “مساهمات سياسية ولم تكن رشاوى”.
وبصرف النظر عن صحة الاتهامات المتبادلة من عدمها، فقد أظهر تقرير لمنظمة الشفافية الدولية “ترانسبرانسي”، حول الفساد في منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي، صدر مطلع شهر أكتوبر الفائت، أن 57 في المائة من البنميين يعتبرون أن جهود الحكومة غير فعالة في مجال محاربة الفساد، وهي نسبة تفوق المتوسط في المنطقة (53 في المائة)، في حين صرح 38 في المائة منهم أنهم دفعوا رشاوى أو قدموا هدايا أو خدمات خلال الـ12 شهرا الماضية مقابل الاستفادة من خدمات عمومية.
وبعيدا عن مطبات السياسة واتهامات الفساد، تحسب للحكومة الحالية جهودها للحفاظ على وهج الاقتصاد البنمي، إذ تشير التوقعات إلى استمرار دورة الانتعاش التي دخل فيها خلال السنوات الأخيرة، ليحقق نموا عند متم السنة الجارية في حدود 5ر5 بالمائة حسب تقديرات وزارة الاقتصاد والمالية البنمية، وهي النسبة ذاتها التي تتوقعها اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي (سيبال)، والتي تقل، في المقابل، عن توقعات البنك العالمي (4ر5 في المائة) وصندوق النقد الدولي (3ر5 في المائة).
بيد أن البنميين يتطلعون لاستشعار هذا الوهج الاقتصادي في معيشهم اليومي ولانعكاسه على قدرتهم الشرائية في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وقلة مناصب الشغل القارة، وعلى قطاعات حيوية قد تؤثر في منسوب رضاهم على أداء الحكومة، مثل التربية والصحة والأمن والنقل العمومي.
ويرى خبراء ومحللون اقتصاديون محليون أن الطفرة الاقتصادية التي سجلها الاقتصاد البنمي خلال السنوات الأخيرة وينتظر أن تواصل في الأعوام المقبلة تقتضي الاستعجال في اتخاذ تدابير اجتماعية تعزز فعلا القدرة الشرائية للبنميين وتقلل من فارق السرعة بين تطور الاقتصاد ومستوى المعيشة.
لكن سنة 2017 سترتبط في أذهان البنميين بذكرى فرحة غير مسبوقة أنستهم ولو للحظة شظف العيش وهموم السياسة، بعدما تمكن منتخبهم لكرة القدم من حجز بطاقة التأهل للمونديال للمرة الأولى في تاريخه، وضرب موعدا مع نهائيات كأس العالم الصيف القادم بروسيا، ممثلا لمنطقة الكونكاكاف إلى جانب نظيريه المكسيكي والكوستاريكي.
المنتخب البنمي انتظر حتى الدقائق الأخيرة (د 87) من مباراة الجولة الأخيرة من التصفيات التي جرت في العاشر من أكتوبر الماضي، ليقلب خسارته أمام ضيفه منتخب كوستاريكا إلى فوز بهدفين مقابل واحد، ويهدي البنميين لحظة خاصة واستثنائية استبدت خلالها الفرحة والحماس بالجميع، بمن فيهم رئيس البلاد، الذي نزل بلباس رياضي لأرضية ملعب “روميل فيرنانديث” حيث أشاد بإصرار اللاعبين على بلوغ الهدف وأثنى على قيادة المدرب الكولومبي إرنان داريو غوميز، بل وعد، في حينه، بتشييد اربعة ملاعب جديدة بالبلاد “على شرف الفريق” الذي تأهل للمونديال القادم. لعل الكرة تصلح ما أفسدته السياسة.
معاريف بريس
maarifpress.com