لم تتمكن الأجواء البهيجة والاضواء الساطعة التي تطبع احتفال المانيا بالذكرى السابعة والعشرين من إعادة توحيدها (3 أكتوبر)، من طرد شبح الانقسام الذي بات يهدد البلاد في هيئة جديدة، في اعقاب الانتخابات التشريعية الالمانية الاخيرة التي اسفرت عن دخول اليمين المتطرف الشعبوي لاول مرة الى البرلمان كثالث قوة سياسية.
وعكس الخطاب الذي ألقاه الرئيس الالماني فرانك-فالتر شتاينماير خلال الاحتفالات الرسمية بالذكرى التي اقيمت أمس بمدينة ماينتس، عاصمة ولاية راينلاند-بفالتس، هذا الوضع الذي يشغل بال الفاعلين السياسيين الالمان الذين لايزالون يتلمسون الطريق نحو تشكيل ائتلاف في مفاوضات تبدو عسيرة وطويلة.
فقد نبه الرئيس الألماني الى إن جدار برلين الكبير الذي قسم ألمانيا سقط، لكن نتائج الانتخابات التي جرت في 24 شتنبر الماضي أظهرت أن “هناك جدرانا أخرى أقل وضوحا نشأت بدون أسلاك شائكة وممرات الموت “.
وأضاف شتاينماير أن “جدران الاغتراب وخيبة الأمل والغضب” صارت راسخة عند البعض لدرجة لم يعد من الممكن اختراقها بالحجج، مشيرا الى أن “خلف هذه الأسوار يوجد انعدام كبير في الثقة تجاه الديمقراطية وممثليها”.
وتطرق الى الانتخابات التي شهدت دخول اليمين المتطرف البرلمان، مشيرا الى أنها كشفت “صدوعا كبيرة وصغيرة” في المجتمع. ودعا النواب الديمقراطيين إلى التعاون من أجل مكافحة العودة إلى النزعة القومية.
وانتقد شتاينماير أيضا وجود جدران بين الفقر والثراء والمدينة والريف والمتصلين بشبكة الإنترنت وغير المتصلين بها.
وأثار من جهة أخرى الجدل جول موضوع اللجوء والهجرة الذي أثار ضجة في ألمانيا، داعيا إلى التعامل الصادق مع مشكلة اللاجئين.
وقال إن كثيرا من الناس يقولون “لم أعد أفهم العالم”، مشيرا إلى أن خلف هذه العبارة شوق للوطن وتوجه لا ينبغي تركه للقوميين.
من جانبها، ذكرت المستشارة الالمانية ميركل أن ألمانيا تحمل على عاتقها مسؤولية تجاه أوروبا وتجاه تحسين التنمية على مستوى العالم، “نعلم أننا لا يمكن أن ننفصل عما يحدث في العالم. بل ينبغي أن ننتبه إلى أن العولمة هي بناء إنساني”.
وقالت “لكن بإمكاننا النظر إلى الوراء لنقول: نجحنا في تحقيق الكثير في الوحدة الألمانية، وهذا ينبغي أن يعطينا القوة لحل المشكلات المعلقة”.
وأكدت رئيسة مجلس الولايات مالو دراير، التي تتولى أيضا منصب رئيسة حكومة ولاية راينلاند-بفالتس المضيفة للاحتفالات أن “يوم الوحدة الألمانية هو أهم عيد لدينا من وجهة نظري… حقيقة أننا حققنا الوحدة وهي تعطينا القوة في مواجهة التحديات”.
واستأثر خطاب الرئيس الالماني باهتمام الصحف الألمانية الصادرة اليوم حيث علقت صحيفة “دي فيلت” على أن الرئيس الألماني كان في موقف دفاعي في حين أن الوضع يتطلب وفق الصحيفة، “مواجهة أولئك الذين يرغبون في الحفاظ على ألمانيا القديمة “.
ولاحظت الصحيفة أن الرئيس الالماني سعى الى التهدئة لكن ليس بهذا الموقف، ينبغي للمرء مواجهة النواب الجدد في البوندستاغ، في إشارة الى الحزب البديل الشعبوي.
وفي المقابل، اعتبرت صحيفة “نويه ازنابروكر تسايتونغ”، أن الرئيس الالماني اماط اللثام عن الواقع الجديد حيث أظهر للالمان أن جدرانا جديدة من الاغتراب والغضب وخيبة الأمل نشأت، مؤكدة ان ألمانيا بحاجة إلى ثقافة نقاش جديدة.
أما صحيفة “باديشه تسايتونغ”، فلاحظت أن الكثير من الناس لا يشعرون بالامان ليس فقط في شرق البلاد، مبرزة أن هناك حاجة ماسة الى سياسيين لديهم حرص على التعامل مع هذه المخاوف بجدية وبتصميم.
وتبقي ذكرى اعادة توحيد المانيا بعد اربعة عقود من الانقسام ، علامة فارقة في تاريخ هذا البلد الذي يسعى الى التخلص من ثقل ماضيه النازي، ورسم طريقه نحو التنمية الاقتصادية والحفاظ على قيم الديمقراطية والحرية وادماج المهاجرين بالرغم من التحديات الكبيرة التي تواجهه داخليا وخارجيا.
معاريف بريس
و م ع
maarifpress.com