صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة

الولادة القيصرية “على هامش المؤتمر الاستثنائي للبام”

 

 



الولادة القيصرية، لم تكن لحظة الولادة الحزبية للأصالة والمعاصرة عادية ككل الولادات بحيث نعلم مراحلها الطبيعية عند كل مخلوق، فحركة واحدة لكل الدموقراطيين كانت كافية لمجيئ “حزب متكامل “بأطره ومقراته وفروعه في لحظة سياسية قياسية لا يمكن نكران التدخل السريع لهذه الولادة القيصرية لحزب لا مرجعية واضحة سياسية ولا اقتصادية ولا اجتماعية له ، ما عدا الإستناد على تقرير الخمسينية وبعض المبادئ العامة ، طبعا يدخل هذا المنتوج السياسي ضمن المنتوجات التي ابتدعتها الأنظمة العربية التي تدعي التعددية الحزبية وما هي في الحقيقة إلا تعددية عددية لا تعددية سياسية ، مستعملة كل الأساليب الملتوية لإخفاء الوجه البشع لممارسات سياسية تقمع وتستبد بكل من طالب بالحرية والعيش الكريم وكانت طريقة انشاء الأحزاب هي الأكثر تداولا لما لها من صدى في خلق الضوضاء السياسي ضمن ساحة يملؤها الفراغ والتشتت.

وهكذا ففي الوقت الذي تحتد فيه أزمة الأحزاب السياسية المغربية أخرج إلى الوجود حزب حزب “الأصالة والمعاصرة” من بين أنقاض هياكل حزبية أنهكها الزمن السياسي المغربي ونخر ما تبقى منها ، خرج على أساس إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفق مؤسسيه، غير أن الشأن الحزبي المغربي لا يحتمل المزيد من التدخل العنيف في مشهد حزبي كل ما فيه لا يجذب المواطن ولا يجيبد العمل السياسي بقدر ما يبعد كل من اقترب أو فكر في الانخراط الحزبي منها.

ويأتي هذا التدخل الفوقي في الجسم الحزبي المنقسم إلى جزيئات لا يربطها أي علاقة سياسية ومذهبية لأنها أصلا في غالبيتها لا تتوفر على قواعد فكرية واجتماعية وبنيات تجد ارتكازها في المجتمع ، وهذا ما يدفع إلى طرح علامات استفهام حول دوافع هذا التأسيس لحزب لن يضيف للبنية الحزبية أي قاعدة بل سيساهم في تقويض بعض البنيات الحزبية خاصة التي تعاني من التفكك وسوء التنظيم وذلك شأن أغلب الأحزاب المغربية.

في الواقع لم تكن الساحة السياسية المغربية في حاجة لمثل هذا الإخراج السياسي الذي سار فيه كاتب الدولة السابق في الداخلية فؤاد على الهمة ، لعدة أسباب منها أن الحقل السياسي الحزبي المغربي يعرف التخمة من تلك التجمعات التي تشبه ب “الدكاكين”أو ما يطلق عليه البعض التسوق السياسي، التي تتكون قبيل كل انتخابات كما لو أنها تريد بذلك أن تزيد من التضخم الحزبي في تأزمه أكثر حتى تنفر كل من يتوق المشاركة السياسية ، وهي على أية حال تتوق عدة مآرب منها الفوز بالمقعد البرلماني أو الحقيبة الوزارية وليس للدفاع عن مواقف سياسية أو مطالب شعبية بقدر ما تسعى للدفاع عن المصالح الضيقة لأصحاب الحزب الذي يتم تأسيسه، ،والنيل من منابع خيرات البلاد تلك موارد تصرف من خزينة الشعب وهو الذي يتحمل وزرها وحبذا لو أن الشعب ينال من ذلك الحزب ولو جزاءا يسيرا من الاهتمام ، أنى له ذلك.

إن الحزب الجديد والذي اختار شعار”التراكتور” كرمز يهدف إلى دغدغة مشاعر كبار الفلاحين ويدخل ضيعاتهم ليقدم خدماته بشكل يضمن لهم غلة موفورة ومحصول متطور كما يسعى الى جمع كل من تاهت به السبل السياسية وارتكن الى اجترار ماض سياسي لم يكن ليفصح عن هويته الفردانية إلا بعدما كشفه الزمن ، وذلك من خلال تواجد ” الوافد الجديد ” في مركز القرار السياسي والاقتصادي.ولكن حزب الأصالة والمعاصرة يحرص على التأكيد بأنه يهدف إلى ” رص كل القوى الدموقراطية قصد كسب رهانات التحديث والتنمية ” وفق تصريحات كوادر هذا الحزب غير أن العربي لمساري القيادي البارز في حزب الاستقلال اعتبر حزب فؤاد على الهمة لا يخرج عن كونه من ” وليدات الإدارة” أي من سلالة أحزاب الإدارة التي ساهمت في تشكيلها وحضنتها ووفرت لها كل الوسائل المادية والبشرية بل وجعلتها تحصل على الأغلبية باستخدام آلة التزوير التي تعودت عليها.

ولهذا السبب تمكنت مجموعة من الأفراد إلى تكوين حزب احتل فراغ الساحة السياسية وشغل الرأي العام بالرغم من غيابه وتغييبه ؟ طبعا من السهل في بلد كالمغرب الحصول على ذلك لأن الفراغ السياسي الذي ساهم فيه النظام بقمع كل الحريات وترهيب كل النخب الفعلية ، تجميع الانتهازيين والوصوليين والمتملقين لتصدر الصفوف الأمامية وكل الصفوف في مثل تلك التجمعات التي تكون أقرب إلى الولائم منها إلى التنظيمات السياسية ، لأن كل واحد من الحاضرين في تلك التجمعات همه الوحيد هو الفوز بقطعة من الجبن التي ستوزع .

وما يزيد في غرابة المشهد السياسي الشاحب أصلا هو” تمكن” هذه التشكيلة من” استقطاب” خليط من كل فج عميق من ضمن الأرشيف السياسي المغربي الذي لم يعد قابلا حتى للمقايضة في سوق البوار السياسي المغربي، مما يزيد في ضبابية المولود الجديد والهدف من إنشائه، فإذا كان يراد منه تفتيت الساحة الحزبية أكثر مما هي عليه ، فتلك قمة النرجسية السياسية وذروة الخيانة ، وأما كان القصد تجميع” كل الدموقراطيين” كما جاء في النداء الأول لهذا الوافد الجديد، أليست هناك طرق أخرى لتفي بهذا الغرض سوى تشكيل تركيبة حزبية جديدة ؟ وفي كل الأحوال فالطريقة التي استعملت لإخراج الحزب كان يكتنفها الغموض والإخراج “الباسل”، كل ذلك من أجل أن يضفي على خلطته مزيدا من التشويق وإثارة في وضع سياسي راكد ورتيب، وهل سيفلح” الهمة” لإضفاء الهمة على كيانات لا همة لها سوى انتظار الإشارات والتعليمات ؟ وهل سيشكل حزبه استثناءا في الخروج من رحم الإدارة ويقطع حبل الصرة ولا يستقبل التعليمات بوعي أو بدون وعي من المحيط الذي ترعرع فيه ومن الصداقات التي اكتسبها لمد ثلاثين سنة وعلى رأسهم الملك محمد السادس زميله في الدراسة ، والتاريخ السياسي المغربي يتكرر ولكن بنسخة فيها بعض الروتاشات التي قد تنطلي على المواطن غير الممعن النظر في النسخة الجديدة ، فتجربة رضا اكديرة مع جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية ” الفديك” وأحمد عصمان مع المستقلين في الانتخابات الجماعية لسنة 1976 ثم التجمع الوطني للأحرار سنة 1977في الانتخابات البرلمانية ولتتكرر النسخة المعروفة لتفريخ الأحزاب مع حزب المعطي بوعبيد والأغلبية الساحقة التي حصل عليها في انتخابات البرلمان سنة 1984، ولن تتوقف الآلة الجهنمية لتمزيق الجسم الحزبي بالمغرب أو زيادة التناسل ، بالرغم من كون بعض الكيانات الحزبية عاقرة ، وكل تلك النسخ رغم تكرارها لم تردع مهندسي السياسية المغربية ولم تدفعهم إلى التراجع أو على الأقل التفكير في طرق جديدة ولكن العقم السياسي الذي أصاب النخب السياسية راودها الحنين إلى خلق كيانات تراهن عليها ربما لتشغل ولو لفترة بال المواطنين لربح الوقت من جهة وتدجين الساحة الحزبية أكثر مما هي عليه ، والتاريخ الحزبي المغربي مليء بتدخلات النظام السياسي في الشأن الحزبي الم يكن الملك الراحل الحسن الثاني أشار إلى امحمد بوستة لتعيينه أمينا عاما للحزب عندما تقبل الحزب التعازي من الملك؟ الم يكن النظام السياسي متعودا على السيطرة على الخريطة السياسية الحزبية حتى لا يفاجئ بتشكيل سياسي لا يساير توجهاته؟الم يقل يوما بخصوص المعارضة لو لم تكن موجودة لأنشأها.

إن المكونات الحزبية من نخب وتيارات وشرائح اجتماعية وثقافية واثنية تكون تحت مجهر منظار المراقبة من قبل أجهزة مخابراتية للنظام بل غالبا ما تكون مخترقة من قبلها وقد تتبوأ مراكز للقيادة في تلك التشكيلات الحزبية، وهذا ما يجعل كل خططها وبرامجها تجد الرد المناسب من قبل النظام قبل خروجها للوجود ،اليس من الأنسب المطالبة بالغاء تلك الأحزاب الإدارية وتنقية الساحة الحزبية من سماسرة الإنتخابات ووضع بنية حزبية تستمد قواعدها من أبناء الشعب وتستقي مرجعيتها من همومه وآماله؟عوض اتباع أسلوب الولادة القيصرية لأحزاب تفرخ في كل مناسبة وبدون مناسبة لخلق البلبلة والغموض في وضعية سياسية مغربية ضبابية ساهم فيها النظام السياسي بشكل كبير لا يمكن نكران مسؤوليته ، والآن وقد دقت ساعة التغيير هل ستبقى تلك الأحزاب القيصرية في انبوبها أم ستخرج لتستنشق غبار الواقع المغربي ؟

 

معاريف بريس

الحسين

www.maarifpress.com

 

 

تعليقات الزوار
Loading...