معاريف بريس – اخبار وطنية
يعد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2024، الصادر في مطلع عام 2026، وثيقة استراتيجية تقطع مع الرقابة الكلاسيكية لتؤسس لمفهوم “الرقابة بالأثر”، حيث لم يعد التركيز منصباً فقط على سلامة الفواتير والمساطر، بل على مدى انعكاس الإنفاق العمومي على حياة المواطن. إن القراءة التحليلية لهذا التقرير تكشف عن فجوة مقلقة بين حجم الاستثمارات العمومية الضخمة وبين مردوديتها على أرض الواقع، حيث سجل قضاة المجلس أن عدداً من المشاريع الكبرى، رغم اكتمال تشييدها، تظل خارج الخدمة لسنوات بسبب غياب التنسيق القطاعي أو نقص الموارد البشرية لتشغيلها، مما يحول “الاستثمار” إلى “هدر مجمّد” للأموال العامة.
وفي شق ربط المسؤولية بالمحاسبة، يعكس التقرير صرامة غير مسبوقة في التعامل مع التجاوزات المالية، وهو ما تجلى في ارتفاع وتيرة الإحالات على النيابة العامة بشأن أفعال قد تستوجب عقوبات جنائية، مما يبعث برسالة واضحة للمدبرين العموميين بأن الحصانة من المحاسبة قد انتهت. كما وضع التقرير يده على الجرح النازف في منظومة التقاعد، محذراً من أن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً أمام شبح نفاذ الاحتياطيات، وهو ما يضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية وتاريخية لتسريع الإصلاح الهيكلي بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة.
أما على مستوى الجماعات الترابية، فقد كشف التحليل عن ضعف حاد في تحصيل الموارد الذاتية، حيث تظل مئات الملايين من الدراهم عبارة عن “بواقي استخلاص” غير محصلة، مما يكرس ارتهان الجماعات لميزانية الدولة ويشل قدرتها على التنمية المحلية المستقلة. إن التقرير في جوهره ليس مجرد صك اتهام، بل هو “خارطة طريق” للإصلاح الإداري، تفرض على الدولة الانتقال من ثقافة “تسيير النفقات” إلى ثقافة “صناعة القيمة”، معتبراً أن النزاهة في التدبير لم تعد خياراً أخلاقياً، بل ضرورة اقتصادية حتمية لضمان استدامة النموذج التنموي المغربي في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.