معاريف بريس – أخبار وطنية
مدينة تامسنا… حلم حضري تحول إلى عزلة وتهميش عندما أعلن عن مشروع مدينة تامسنا قبل سنوات، قُدم كأحد أهم المشاريع الحضرية الكبرى بالمغرب، باعتباره مدينة ملكية نموذجية أُريد لها أن تخفف الضغط عن العاصمة الرباط وتمثل نموذجا جديدا للتخطيط العمراني الحديث. غير أن واقع الحال اليوم يشي بعكس ذلك تماما. فبدل أن تتحول إلى فضاء حضري متكامل يجذب الأسر الباحثة عن السكن اللائق، أصبحت تامسنا في نظر الكثيرين مدينة أشباح، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة اليومية، وتعيش على وقع التهميش والعزلة. سكان حي التعاونيات في قلب هذه المدينة هم الأكثر تعبيرا عن هذه المعاناة. فمنذ استقرارهم، وهم يواجهون تراكم الأزبال والنفايات في غياب شبه تام للحاويات وخدمات النظافة المنتظمة. الأمر لا يقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل يتعداه إلى غياب مشاريع أساسية وُعد بها السكان منذ سنوات، مثل بناء مسجد الحي وإنجاز مساحات خضراء من شأنها أن تمنح الحي بعدا اجتماعيا وإنسانيا، لكنها بقيت مجرد وعود مؤجلة. إلى جانب ذلك، يعيش سكان الحي عزلة حقيقية بسبب غياب النقل العمومي. فلا خطوط حافلات ولا سيارات أجرة صغيرة تصل إلى الحي، وحتى “التريبورتورات” التي تحولت إلى وسيلة تنقل غير رسمية بين أحياء تامسنا لا تصل إلى التعاونيات. هذه الوضعية تجعل التنقل نحو العمل أو الدراسة أمرا شاقا، خصوصا بالنسبة للنساء والتلاميذ والطلبة. أمام هذا الواقع، لم يعد أمام السكان سوى اللجوء إلى الاحتجاج المؤسساتي. فقد وجهوا مؤخرا شكاية رسمية إلى مدير شركة العمران بتامسنا ورئيس جماعة سيدي يحيى زعير، يطالبون فيها بالتدخل العاجل. وجاء في مضمونها تحذير من الأخطار الصحية والبيئية الناجمة عن تراكم الأزبال ومخلفات البناء، وانتشار القوارض والكلاب الضالة، فضلا عن المطبات والحواجز العشوائية التي تعرقل السير وتشكل تهديدا دائما لسلامة الساكنة. غير أن حي التعاونيات ليس سوى عينة صغيرة من أزمة أكبر تعصف بتامسنا. فالمدينة برمتها تعاني من انتشار مخلفات البناء بشكل واسع في الشوارع والأحياء، وغياب سيارات الأجرة التي تربطها بمحيطها الحضري. كما توقفت عدة أوراش كبرى كان يُفترض أن تمنح المدينة دفعة قوية، من بينها المركز التكنولوجي التابع لجامعة محمد الخامس، إضافة إلى مئات الوحدات السكنية التي ظلت مهجورة بعد توقف الأشغال بها، لتتحول إلى أطلال إسمنتية تشوه المشهد الحضري وتزرع الإحباط في نفوس السكان. والمفارقة الصارخة أن تامسنا، التي تحمل صفة “مدينة ملكية”، تعيش اليوم واقعا لا يليق بمكانتها، حيث يختلط طموح المشروع الملكي السامي بتعثرات التدبير المحلي وضعف التنسيق بين شركة العمران التي اكتفت بتسويق المشاريع السكنية دون الوفاء بكافة التزاماتها التنموية، والجماعة القروية سيدي يحيى زعير التي تفتقر إلى الوسائل والموارد لتدبير مدينة بهذا الحجم. النتيجة أن المدينة وجدت نفسها بين مطرقة الإهمال وسندان العزلة، وهو ما أفقدها تدريجيا بريقها ورمزيتها. تامسنا اليوم تقف شاهدة على فجوة كبيرة بين الطموح والواقع. مشروع ملكي كان من المفترض أن يمثل نموذجا عمرانيا متكاملا، تحوّل بفعل الإهمال والتهميش إلى مدينة تعاني في صمت، فيما يواصل سكانها رفع أصواتهم أملا في أن تصل رسائلهم إلى من بيدهم القرار لإعادة الاعتبار لهذه المدينة وإخراجها من دائرة العزلة إلى فضاء يليق بصفة “مدينة ملكية”.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com